الخطب والمحاضرات

نافق حنظلة

2010-02-02


20/ربيع الثاني/1424هـ

نافق حنظلة

مسجد خالد بن الوليد

عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدِىِّ الكاتب أحد كتاب رسول الله r قَالَ: لَقِيَنِى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟! قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بالْجَنَّةِ وَ ِالنَّارِ كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « وَمَا ذَاكَ ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ العَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ أنكم تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِى وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاَثَ مَرَّاتٍ))( [1] ).

1. خشية الصحابة على أنفسهم من النفاق: ( قصة حنظلة و الصديق الأكبر )

- و قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم من أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل) ( [2] ) و عن الحسن (ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق) ( [3] ).

- وقال ابن مسعود (إن المؤمن يرى ذنبه كأنه جبل يوشك أن يقع عليه وأن المنافق يرى ذنبه وكأنه ذباب وقع على انفه فقال بيده هكذا) ( [4] ).

2. شدة يقين الصحابة فهم عندما يذكرون بالجنة أو النار يصير أحدهم وكأنه يراها عياناً ويصور ذلك إيمان ويقين قول أحدهم: (إنني أصبحت وكأني أرى عرش ربي بارزاً وكأنني أنظر أهل الجنة في الجنة يتزاورون فيها وأرى أهل النار في النار يتضاغون فيها) ( [5] ) وهذا هو الإيمان بالغيب الذي مدحه الله تعالى في قوله: [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ].

3. إن الإنسان كلما انشغل بالمباحات من مخالطة الأولاد والزوجات والأعمال، ينسى ويغفل فكيف بمن ينشغل بالمحرمات و المنهيات طول وقته فما حال إيمانه؟ ولهذا جاء التحذير الشديد من الغفلة عن ذكر الله وذكر ما أعده لعباده وما جاءت به رسله، قال تعالى:[وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ] وبين سبحانه حال الغافلين وسوء مصيرهم فقال [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] .

عباد الله:

بالغفلة ينحدر الإنسان إلى رتب الحيوان و أما بالذكر و المراقبة فإنه يرتقي إلى المراتب الملكية (لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) فانظر أيها المسلم أين تجعل نفسك؟.

4. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولكن ساعة وساعة يا حنظلة) أي تكونوا في ساعة منقطعين للذكر لا تخلطونه بشيء من شواغل الدنيا، ولا بأس في ساعة أخرى أن تمارسوا شيئاً من المباحات وإن شغلتكم عن الذكر في حدود معينة. وليس فيه أن يكون الإنسان ساعة عبد لله وساعة عبد لهواه أو لشهواته أو للشيطان.

5. إن هذا الحديث وما في معناه أصل في مشروعية الاستراحة والاستجمام في بعض الأحيان، وأن المسلم لا يلزم أن يكون دائماً في الجد والجهد المتواصل، ومن هنا شرعت وعرفت الإجازة من العمل و من الدراسة وغيرها. ولكن كيف نستغل هذه الإجازة الاستغلال النافع؟:

1. أما أصحاب الهمم العالية و النفوس الأبية فلا يعرفون شيئاً اسمه بطالة، ولا يسمحون لأنفسهم بممارسة ما يوقعهم في الإثم و الذم، ولا ما يحول بين ما يوصلهم إلى أهدافهم ويحقق غاياتهم، فهم دائماً يستعرضون شعارات الرجولة و البطولة والكفاح لتحقيق الأهداف وبلوغ الغايات، ولا يبالون بالتعب و النصب، يرددون مع الشاعر قوله:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها ** تنال إلا على جسر من التعب

و قول آخر:

الذل في دعة النفوس ولا أرى ** عز المعيشة دون أن أشقى لها

و قول الثالث:

وإذا كانت النفوس كباراً ** تعبت في مرادها الأجسام

وقول الرابع:

ومن يتهيب صعود الجبال ** يعش أبد الدهر بين الحفر

وإنما يعتبروشرط العمل بما لا يوقفهم عن السير إلى العلى و المجد.

2. وأما أصحاب الهمم الدنيئة فهم لا يصدقون بالفرصة حتى يشحنوها بكل تافه وسافل وخسيس، وهذان الصنفان هما اللذان يملكان زمام أنفسهما.

3. وصنف ثالث وهو من لا يملك زمام نفسه مثل الأطفال وضعاف العقول.

 

 

 

 


 

[1] رواه مسلم 4 /2106 برقم 2750.

[2] صحيح البخاري 1 / 26 بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ من أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لَا يَشْعُرُ

[3] المرجع السابق.

[4] جامع العلوم والحكم 1 /174.

[5] رواه الطبراني في المعجم الكبير 3 /266 برقم 3367.وضعفه الحافظ العراقي وقال الذهبي: حديث باطل.

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم