المقالات

لمسات تربوية

2010-08-06


أولاً: التعريف بالتربية: قبل أن نتعرض لأهمية التربية، يجب أن نتعرف على التربية ذاتها حتى يكون حكمنا عليها صائباً؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

فالتربية هي: ( تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً )([1]) أو بتعبير آخر (إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام)([2]).

وفحوى هذا التعريف أن التربية هي إنشاء الفرد المسلم و الأمة المسلمة و تطويره و تهذيبه حتى يصل إلى المستوى التي يقوى معه على تحقيق الغاية التى خُلق من أجلها، حيث أوضح الله هذه الغاية لخلقه فقال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] وقال جل ذكره:[وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] و قال تعالى: [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا].

وقد كان من غايات الرسول r تحقيق هذه التربية الموصلة لتلك الغاية قال تعالى: [لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] و قد أفصح النبي r عن هذا الهدف من أهداف بعثته فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)[3] )..

ووسائل التربية التي ربى بها النبي r أمته كثيرة جداً منها:

‌أ. الحوار.

‌ب. القصص.

‌ج. ضرب الأمثال.

‌د. الموعظة و العبرة.

‌ه. الترغيب و الترهيب.

‌و. القدوة.

‌ز. العبادة فجميع العبادات، من أهدافها التربية و التزكية: الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، ذكر الله، الجهاد،هذه كلها مع أن الأساس فيها التزام العبودية لله تعالى وإظهار الخضوع و الذل و الزلفى له سبحانه، المنبعثة من كمال المحبة مع كمال الخوف. فإنها أيضاً مزكية للنفوس و مربية للفرد والمجتمع المسلم وموصلة له إلى درجات الكمال الروحي و النفسي و السلوكي والأخلاقي، وهذا ما حصل للجيل الأول حيث استخدمت هذه الوسائل الاستخدام الصحيح.

رمضان و التربية:

و لقد خص رمضان من وسائل التربية بما لم يخص به شهراً آخر أبداً، فمنذ أن يهل هلاله يخبرنا رسول الله r بأن:

أبواب الجنة تفتح، و أبواب الجحيم تغلق، و الشياطين تقيد، و منادي الفلاح ينادي: (يا باغي الخير أقبل و يا باغي الشر أقصر) [4] ) و هذه من التربية بالترغيب و الترهيب و عظمة المناسبة.

وهناك التربية بالجو العام و المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، فالمجتمعات الصالحة يعم فيها الخير والصلاح، ففي الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي برجل شرب الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول للمنخرين والفم وفي رواية البغوي فلما رفع إليه عَثر، فقال عمر على وجهك ويحك وصبياننا صيام، ثم أمر به فضرب ثمانين سوطاً، ثم سيره إلى الشام وفي رواية البغوي فضربه الحد وكان إذا غضب على إنسان سيره إلى الشام فسيره إلى الشام ([5]).

و هناك العبادات التى خص بها رمضان:

‌أ. زيادة تلاوة القرآن.

‌ب. زيادة الجود و النفقة.

‌ج. العناية الخاصة بقيام الليل، وزيادة الذكر و الدعاء.

‌د. الاعتكاف.

وأهم العبادات التى تفرد بها رمضان عبادة الصوم الواجب و الذي يشمل الشهر كله، و المقصود من الصوم كما يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -: (حبسَ النفسِ عن الشهواتِ، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعِدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسِر الجوعُ والظمأ مِن حِدَّتِها وسَوْرتِها، ويُذكِّرها بحال الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتضيق مجارى الشيطانِ من العبد بتضييق مجارى الطعام والشراب، وتُحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرُّها فى معاشها ومعادها، ويُسكِّنُ كُلَّ عضوٍ منها وكُلَّ قوةٍ عن جماحه، وتُلجَمُ بلجامه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعلُ شيئاً، وإنما يتركُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سِرٌّ بين العبد وربه لا يَطَّلِعُ عليهِ سواه، والعبادُ قد يَطَّلِعُونَ منه على تركِ المفطرات الظاهرة، وأما كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يَطَّلِعُ عليه بَشرٌ، وذلك حقيقةُ الصوم.

وللصوم تأثيرٌ عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصومُ يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العونِ على التقوى كما قال تعالى: {يأَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وقال النبي r : "الصَّوْمُ جُنَّة" [6] ). وأمَرَ مَنِ اشتدَّتْ عليه شَهوةُ النكاح، ولا قُدرة لَه عليه بالصِّيام، وجعله وجَاءَ هذه الشهوة.

والمقصود: أن مصالح الصيام لما كانت مشهورة للعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة بهم، و إحساناً إليهم، وحمية لهم و جنة، وكان هدي رسول الله r فيه أكمل هدي، و أعظم تحصيلاً للمقصود، و أسهله على النفوس).[7] ).

و نستطيع أن نصنف عناصر التربية إلى ثلاثة أصناف هي:

أ) التربية على أركان الصوم و واجباته.

ب) التربية على سنن الصوم و مستحباته الراجعة إلى ذات الصوم.

ج) التربية على أخلاق الصائم و آدابه أثناء الصوم.

التربية في أركان الصوم:

للصوم ركنان أساسيان هما:

أ) النية.

ب) الإمساك عن المفطرات.

أما النية فإنها التي عليها تدور الأعمال، و يميز بين العبادات و العادات، وبموجبها يميز بين المخلص و المرائي بعمله، و من يريد بعمله وجه الله ومن يريد بعمله غرضاً من أغرض الدنيا.

ولهذا ربط بها نتيجة عظيمة من نتائج الصوم وجائزة كبيرة من جوائزه وهي المغفرة: ( من صام رمضان إيماناً و احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) [8] ) ومن خلال النية في الصوم يتعلم الصائم إصلاح باطنه و تصفية قلبه من النظر إلى من سوى الله.

أما الركن الثاني: فهو الإمساك عن المفطرات و هي الغرائز الأساسية للإنسان والتي لا يمكن أن يحيا بدونها حياة مستقرة. و هي الأكل و الشرب و الجماع وكلها مشتهيات محببات للنفس البشرية.

فالذي يتغلب على النفس فيفطمها عن هذه الثلاث الشهوات، و يكرر ذلك طيلة شهر رمضان يكسب قدرة فائقة على ضبط النفس وإيقافها عند حدها، و جعلها تقدم ما يحب الله على ما تحب، فيسري ذلك إلى كافة أنواع التضحيات التي تطلب منها، ومن ذلك الاستمرار على الصوم عن كل ما حرم الله إلى أن يخرج العبد عن هذه الحياة الدنيا.

هذا الصوم الذي تكون فرحة الفطر منه يوم لقاء الله حين يلقاه وهو راض عنه، و قد أحسن ابن القيم حين قال:

فصم يومك الأدنى لعلك في غد ** تفوز بعيد الفطر و الناس صوم

وقد ربط رب العالمين بين الصوم و ترك المفطرات الحلال أثناء نهار رمضان، و ترك أكل أموال الناس بالباطل حيث قال تعالى: [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ].

وخذ مثلاً عملياً على أثر الصوم في ترك الشهوات، والابتعاد عنها تعبداً وتقرباً إلى الله تعالى: المدخن المدمن، و المخزن المدمن، اللذان لا يصبران على هذه الشهوات مهما كلفهم تناولها من تبعات، انظر إليهما و قد قنعا قناعة تامة مدة وقت الصوم، فلا يلتفتان إليها ولا يفكران فيها ولا يحدثان أنفسهما بها، فإذا انتهى وقت الصوم و شعرا بزوال المانع من تناولها، كيف يبادران إليها!!. و لو إنهم استشعروا قبح فعلهم، و خبث تلك المواد وحرمتها، و استشعروا الحكمة من الصوم لما عادوا إليها أبداً.

كما نتعلم من ترك هذه المفطرات سراً و علناً ظاهراً و باطناً - نتعلم حسن المراقبة لله تعالى، حيث راقبناه أثناء نهار الصوم، فلم ير سبحانه منا ما يكره في هذا الجانب، فالمفترض أن نتعود هذه المراقبة في جميع أحوالنا.

و لهذا أعطى الله الصوم خاصية ليست لغيره من العبادات،إذ نسبه إلى نفسه وتكفل بالجزاء عليه فقال: (الصوم لي وأنا أجزي به ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) [9] ).

كما نستفيد من تحديد وقت الإمساك و الإفطار الانضباط و الانتظام، وتعلم توحيد المظهر وتوحيد السلوك الظاهر الذي يبنى عليه توحيد الباطن من النفوس و الأرواح وتآلفها.

و أما اللمسات التربوية في سنن الصوم فنجدها في:

·استحباب السحور.

·استحباب الفطور وعلى نوع خاص من الطعام. و تأخير السحور و تعجيل الإفطار.

·وأن نشغل يوم الصوم بالعبادات المناسبة من الذكر، و الدعاء، و قراءة القرآن، و الصدقة، و قيام ليالي الصوم ثم الاعتكاف.

وفي هذه العبادات منفردة و مجتمعة جوانب تربوية عظيمة، فما أعظم أن ينتظم المسلمون من شرق الأرض إلى غربها في وقت واحد أو متقارب، الجميع يتناول طعام السحور و الإفطار، و لو أنهم تأملوا ذلك ثم حاولوا أن ينتظموا كذلك في أمور أخرى من أمور دينهم و دنياهم لحققوا الكثير من الخير. فتحري وقت معين وتحري طعام معين وتحديد الوقت وتحديد نوع الطعام خصوصاً في الإفطار. وإضافة الأعمال الصالحة الأخرى إلى الصوم.

 

 

 

اللمسات التربوية في جانب الآداب و الأخلاق المصحابة للصوم:

ومن أجل أن ينجح العلاج بالصوم فقد أحاط النبي r الصوم بسياج من الأخلاق و الآداب و حسن السلوك. فقال: (الصوم جنة فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث و لا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) ( [10] ).

و قال r (ليس الصيام من الأكل و الشراب إن الصيام من اللغو و الرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم)([11]).

و لما كانت هذه الآداب من مكملات الصوم و موصلاته إلى غايته، جاء الوعيد على من لم يتحل بها فقال r: (من لم يدع قول الزور و العمل به فليس لله حاجة من أن يدع طعامه وشرابه) [12] ) و لما عقل السلف - رحمهم الله - هذه المعاني قال قائلهم: (إذا صام أحدكم فليصم سمعه و بصره و لسانه عن الحرام و لا يكن يوم صومه و يوم فطره سواء) [13] )..

 

 

[1] تفسير البيضاوي.

[2] المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (336).

[3]:رواه البخاري في " الأدب المفرد " رقم ( 273 ) , و ابن سعد في " الطبقات "      
( 1 / 192 ) , و الحاكم ( 2 / 613 و أحمد ( 2 / 318 ) قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 75.

[4] رواه الترمذي 3 /66 برقم 682 والنسائي 4 / 129 برقم 2107 وابن ماجة 1 / 526 برقم 1642 وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم998.

[5] رواه البخاري معلقاً وانظر: فتح الباري (4/201).

[6] رواه أحمد 2 / 306 برقم 8045 والبيهقي 4 / 270 برقم 8094 وغيرهما وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 5136.

[7] زاد المعاد 2 / 28 _ 30

[8] رواه البخاري 1 / 22 برقم 38 ومسلم 1 / 523 برقم 760.

[9] رواه البخاري 6 / 2723 برقم 7054

[10] تقدم تخريجه الهامش (1) صفحة 4.

[11] رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 1082.

[12] رواه البخاري 2 / 673 برقم 1804.

[13] مصنف ابن أبي شيبة 2 / 271 برقم 8880 ونسبه بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم