الخطب والمحاضرات

خطبة العيد عام 1428هـ حول الأوضاع

2010-01-28


بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة العيد عام 1428هـ

مصلى بارادم

التكبير تسعاً.

بداية خطبة الحاجة:

الوصية بالتقوى:

تكبير

عباد الله:

إن العيد في الإسلام ليس مجرد أكل وشرب ولباس، وإن كان كل ذلك مطلوب فيه، ولكنه أشمل و أعمق من ذلك. إنه شعيرة من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وهو عنوان الحمد والشكر لله على نعمه، ومنها نعمة إكمال العبادة العظيمة، وأداء ركن من أركان الإسلام، وهو الصوم أو الحج و لذلك اقترن بالتكبير الذي هو شعار الفرح و الإعجاب عند المسلمين قال تعالى: [وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] وهو رافد من أقوى روافد الحب والإخاء و التسامح و التكافل بين المسلمين؛ ولذلك ارتبط هذا العيد بأداء زكاة الفطر من أجل إطعام المساكين وإغنائهم عن السؤال، قال ابن عباس فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر في رمضان: (طهرة للصائم من اللغو و الرفث و طعمة للمساكين) ( [1] ) وقال صلى الله عليه وسلم: ( اغنوهم عن السؤال هذا اليوم) ( [2] ) كل ذلك من أجل حفظ كرامتهم وإشعارهم بالسعادة كسائر المسلمين، وفي عيد النحر ارتبط بالأضحية لنفس الغرض، قال تعالى عن الهدي و الأضاحي التي تذبح وتنحر في أيام عيد النحر [وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَفلم تمر العيد دون لفتة إلى الفقراء و المحتاجين، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالصدقة في خطبة العيد ويجمع التبرعات، كما تبث ذلك في الصحيحين، والعيد مناسبة عظيمة لإظهار عظمة الإسلام و قوة وعظمة المسلمين، وكانت سنة التكبير ومخالفة الطريق من الذهاب إلى العيد و العودة منها والخروج إلى المصلى من أجل ذلك كما ذكره ابن القيم رحمه الله.

والعيد مناسبة لطرح قضايا الأمة وما يهمها في دينها و دنياها، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( كان رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ الناس، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ على صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كان يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أو يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ) ( [3] ).

تكبير:

من هذا المنطلق، ومن منطلق قوله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ] ومن منطلق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ( [4] )، و من منطلق الوضع الذي تعيشه البلاد، ويعانيه العباد كان لا بد من قول كلمة أسأل الله أن تكون صادقة خالصة لوجه الله نافعة لعباده.

تكبير:

عباد الله:

تمر اليمن اليوم بمرحلة من أعصب مراحل تاريخها. حيث نُذُرُ الفتنة تتصاعد، وعوامل الفرقة والتنازع تتفاقم، وأصوات العصبية الجاهلية تتعالى، وأبواب التدخلات مفتوحة للأعداء الظاهرين من سوانا الذين يقول الله عنهم: [وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] ويصفهم بقوله تعالى: [لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] و من أعدائنا المتسترين من أبناء جلدتنا و الناطقين بألسنتنا الذين قال الله عن إخوانهم الأوائل: [ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ] وما يطالعنا به الإعلام من أخبار مقلقة، وبيانات متبادلة واتهامات خطيرة، وردود أفعال متعصبة متشنجة، كل ذلك يعد مقدمة صادقة لنتيجة حتمية هي دخول اليمن وأهله في متاهات لا يعلم مداها إلا الله، إن لم يتداركنا الله برحمته، و يقوم العقلاء بواجبهم على الوجه الأكمل، ويقفوا مواقف الرجال:

أرى خلل الرماد وميض جمر
فإن النار بالعودين تذكى
فإن لم يطفها عقلاء قوم

 

ويوشك أن تكون لها ضرام
وإن الحرب أولها كلام
يكون وقودها جثث وهام

 

نعم إنها نذر شؤم وعلامات فتنة مدلهمة، وإلا فبِمَ نفسر مثل بيان كتائب أكتوبر الذي يعلن الحرب بكل صراحة؟ وبمَ نفسر بما اسمي بدولة الجنوب وتشكيلة حكومتها المتوهمة؟ إن هذه أمور حقيرة في الواقع، و لكنها خطيرة في المعنى، فلنتق الله في أنفسنا وبلادنا.

تكبير:

عباد الله:

إن الواجب إزاء ذلك أن تتحمل الدولة مسؤوليتها كاملة، وأن تبادر إلى إصلاح الوضع وضبط الأمور بكل جدية وحزم، وبما أمكن من سرعة حتى يطمئن الناس إلى أن لديها النية الصادقة للإصلاح.

فهناك الفساد بأنواعه المالي والإداري، وهذا أكثر ما تشكو منه المعارضة وعامة الناس، وهناك ما هو أخطر منه وهو الفساد الأخلاقي المتزايد و الذي يحاول الذين يتبعون الشهوات أن يظهر ويُعلن ويشرّع، وهذه المحاولات المستميتة لإظهار هذا الفساد مع التغاضي عنهم وعدم التصدي لهم هي من أقوى أسباب انتشار بقية أنواع الفساد، وما يترتب عليه من فتن واختلالات؛ لأنها تغضب الله فينتقم من القائمين بها و الساكتين عنها قال تعالى: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ].

وهذا الفساد هو الذي يقدم إنكاره العقلاء والمخلصون والغيورون على الحرمات و الأعراض و على الأمن و الإيمان. وربما استفز هذا الفساد بعض خفيفي العلم قليلي التجربة إلى الانضمام إلى كل معارض للنظام، وإن كان بينه وبينهم بُعد المشرقين. وهذا خطأ ولكنه قد يحصل.

وهناك متنفذون ذوومناصب سياسية أو رتب عسكرية أو جاهات قبلية أو أسرية أوتجارية استغلوا جاههم ومناصبهم لظلم الضعفاء و البطش بهم و العدوان عليهم وعلى ممتلكاتهم، و كثير منهم يفعل ذلك باسم الدولة و الوحدة.

وهناك ارتفاع في الأسعار بعضه مسوَّغ وبعضه لا مسوِّغ له، وتلاعب من بعض التجار بأقوات الناس وضروريات حياتهم دون رادع.

وهناك خلل كبير وعجز ظاهر في جهازي القضاء و الأمن، يعرفه كل من ابتلي باللجوء إلى ذينك الجهازين، إلى غير ذلك من القضايا التي يشكوا منها الناس ويستغيثون لإزالتها، وهناك من يستغلها ويتذرع بها لأغراض أخرى لا تمت إليها بصلة، ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق و بالباطل.

تكبير:

إن هذه القضايا لا بد أن تحل ويعجل بحلها، وهي لن تُحل بالمكابرة والإنكار، ولن تحل بالمماطلة و التسويف، ولن تحل بالتهويل والتقليل من شأنها، ولن تحل بنقد الشاكين منها واتهامهم - وإن كان هناك من هو مدان فعلاً - ولن تحل بإيكال حلها إلى من هم السبب في وجودها، كل ذلك لن يحلها، وإنما يحلها أن نقوم لله مثنى وفرادى ونتجرد من كل هوى ونضحي بكل مصلحة شخصية لأجل المصلحة العامة، ثم نتخذ أسلوباً آخر وننهج منهجاً قويماً للإصلاح يتمثل في التالي:

أولاً: أن نعلم علم اليقين أن تلك القضايا و المشاكل: (ليس لها من دون الله كاشفة) وعلينا أن نفر إليه ونتضرع بين يديه، قال تعالى: [فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ] وقال سبحانه: [وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ{42} فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{43} فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ{44} فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{45}].

ثانياً: أن نعلم إنها بسبب ذنوبنا ومعاصينا وبُعدنا وانحرافنا عن منهج الله والتهاون في تحكيم شرعه، وتقديم مرضاة الناس على مرضاته و الخوف منهم أكثر من الخوف منه، قال تعالى: [ ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] وقال [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] وعلينا أن نتوب من كل ذلك توبة صادقة نصوحاً، وهاتان القاعدتان هما أصل كل حل وقاعدته ولن يجدي أي حل لا يرتكز عليهما.

ثالثا:لا بد من حلول عملية و عاجلة:

أولها: محاسبة الفاسدين و المتنفذين في أي موقع كانوا ومن أي طبقة كانوا، بل لا بد من البدء بالكبار قبل الصغار و المقربين قبل الأبعاد. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شفع إليه في أمر المخزومية قال وصدق فيما قال: (وأيم اللَّهِ لو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) ( [5] ) وحينما أبطل صلى الله عليه وسلم نظام الجاهلية في الربا و الدماء والثارات بدأ بأقاربه فوضع ربا العباس عمه ودم قريب آخر له قبل أن يتعرض للآخرين. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين شكى إليه سعد بن أبي وقاص وهو يرى عزله ليقطع الطريق على دعاة الفتنة، وعندما تمسك بعض الخلفاء ببعض من شكى إليه من ولاته حصل من الفتنة مالا يزال أثره إلى اليوم.

ولن تهدأ الفتنة إلا بالتضحية ببعض رموز الفساد و التسلط، بل يجب أن يحاسب ويعاقب كل رمز منهم تثبت إدانته، وفي نفس الوقت يجب محاربة الفساد الأخلاقي وإزالة أسبابه وإقامة الحدود على يثبت عليه شيء منه.

رابعاً: الإسراع بإرجاع الحقوق إلى أصحابها دون قيد أو شرط، وأعني جميع الحقوق المادية و المعنوية بعد ثبوت استحقاقها.

خامساً: العمل على تخفيف معاناة الناس بإيجاد فرص عمل، وتيسير سبل الرزق و تخفيض الأسعار ومعاقبة المتلاعبين بها أياً كانوا.

سادساً: ضبط التوظيف ومنع المتاجرة بالوظائف واستيعاب المتقدِّمين كل حسب دوره ومؤهله دون تلاعب.

سابعاً: إصلاح القضاء و الأمن وإزالة كل من ثبت فساده فيها ومعاقبته بما يستحق، وتشجيع و تقريب الصالحين من ذوي النزاهة و الكفاءة على قاعدة: [إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ] مع مراقبة سائر العاملين في هذين الجهازين، مراقبة الإصلاح و التقويم لا التربص و الكيد.

ثامناً: إن جميع هذه الأوجه من أوجه الإصلاح لن تتم حتى تُربى جميع الأمة قادة وأعواناً ورعية، تربية إيمانية تزرع الخوف من الله ومراقبته انطلاقاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأن تعمم تلك التربية بطريقة مدروسة على جميع منتسبي الجهاز الحكومي المدني والعسكري و القضائي، كما تربي الأحزاب أعضائها على برامجها وأيدلوجياتها، ثم تعمم تلك التربية على عموم المواطنين بالطرق الجادة و المناسبة.

هذا ما يتعلق بالدولة وبه أختم الخطبة الأولى.

الخطبة الثانية

التكبير سبعاً.

الحمد و الثناء و الوصية.

تكبير:

عباد الله:

تقدم ما يخص الدولة، و أما المعارضة فنقول لهم:

اتقوا الله في هذه الأمة، اتقوا الله في الثغرة التي تقفون عليها، كونوا ناصحين لا حاسدين حاقدين، كونوا بناةً لا هادمين، كونوا متعاونين لا متعارضين متناقضين.

إنكم جميعاً قد أعلنتم التزامكم بالإسلام عقيدة وشريعة، فليكنْ الالتزام بذلك وليكن النهج العملي مطابقاً لما أعلن.

اسلكوا المسلك الشرعي في النصيحة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانضبطوا بضوابطه الشرعية، دَعُونا من منهج الكفار القائم على عبادة المادة وتقديس المنصب واتخاذ الحكم غاية والمنصب هدافاً لذاته.

ذلك المنهج جعلهم يفرحون بخطأ الحزب الحاكم وانحرافه، ولا يحذرون من ذلك قبل وقوعه بل يتمنون وقوعه، ثم يستغلونه للتشهير به وإسقاط هَيبته وتشويه سمعته؛ لينصرف الناس عنه ويلتفوا حولهم وينتخبوهم في الجولة القادمة. إن هذا منهج مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يحب وطناً ولا يرحم مواطناً.

إنه منهج مخالف تماماً لمنهج رسل الله وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم في الإصلاح، وهو لن يجلب للبلاد إلا مزيداً من الفساد ومزيداً من الفتنة والشر.

دعونا من دغدغة العواطف واستثارة المشاعر؛ فإن الناس إذا هاجوا لن يقفوا عند الحد الذي تريدون، ولن تستطيعوا إيقافهم أنتم ولا الدولة، بل سيتمادى الأمر إلى حد ستندمون عليه حيث لا ينفع الندم، وإياكم و الإصغاء لمن يبغونكم الفتنة من أعدائكم وأعداء دينكم وأمتكم، فما مثلهم إلا كمثل الشيطان وقريش كما قص القرآن عنهم قال تعالى: [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ] .

وأما خطابنا للعامة فنقول: أيها الآباء أيهاالأخوة أيها الأبناء:

إنكم أنتم أهل الشأن، أنتم ضحية الفساد و أنتم وقود الفتنة إن وقعت لا سمح الله، وقد حذر الله تعالى من الفتنة فقال سبحانه: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ] كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الانغماس و الدخول فيها ومعاونة مثيريها فقال: (إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم و خفت أماناتهم و كانوا هكذا و شبك بين أصابعه، قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك قال:إلزم بيتك وابكِ على نفسك، و املك عليك لسانك، و خذ ما تعرف، و دع ما تنكر، و عليك بأمر الخاصة و دع عنك أمر العامة) ( [6] ).

وقد رسم ربكم سبحانه طريقاً يجب أن تسلكوه قال تعالى: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا].

لقد ردكم الله إلى أولى الأمر منكم، و هم كما قال الشوكاني - رحمه الله - (أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم) ( [7] ) وهم في الحقيقة أهل النصيحة و الإخلاص من أهل العلم و الخبرة و السلطة الشرعية، وليسوا أهل الإشاعات ولا أهل التحريض والتهييج من منحرفي الإعلاميين و السياسيين الذين يتصدرون في بعض المواقف المشبوهة و المريبة. ممن ينطبق عليهم قوله تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ{204} وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ] .

نعم إن هناك فساد تكتوون بناره، وهناك غلاء وضنك في المعيشة، وهناك ظلم واعتداء و تجاوز من بعض الناس، كل ذلك واقع ولكن إذا نظرتم إلى ذلك فانظروا أيضاً ما أنتم فيه من نِعَم: انظروا إلى ما تحقق من منجزات في شتى المجالات، فإذا كانت لا تصل إلى طموحكم، فقارنوا بين ما أنتم فيه من نعم الأمن والاستقرار و الحرية الفكرية و حرية التنقل وحرية السفر وحرية التعبير وتوفر البنى التحتية والمرافق الخدمية، قارنوا بين ذلك كله وبين ما كانت عليه البلاد قبل الوحدة، حين كانت هذه المنجزات التي يهوِّن البعض منها غير موجودة أصلاً، أو وجد منها ما لا يذكر، وحين كانت المصادرات و التأميم يطال الحال و المال و الدين والهوية فضلاً عن حرية التعبير وحقوق الإنسان.

قارنوا بين ما أنتم عليه الآن، وما عليه إخوانكم أهل العراق و أهل الصومال: إن أخواننا هنالك كانوا يوماً يشكون من الظلم و التعسف و الضيف و التخلف تحت نظام صدام و زياد بري فعملت المعارضة عملها واستدعت سادتها وأولياء نعمتها و فتحت لهم الأبواب، فاذهبوا الآن واسألوا العراقيين واسألوا الصوماليين أي الحالَيْن خير، أي الوضعين أفضل، تلك الأنظمة الظالمة المتسلطة أم هذه الحرية و الديمقراطية التي جاءتكم بها المعارضة؟

وستجدون الخبر اليقين، وتقولون إنكم في نعمة عظيمة، وأن ما هو موجود من مساوئ لا يسوغ الدخول إلى أبواب الفتنة، وإنما علينا أن نزيلها بالطرق الشرعية ونراجع حساباتنا وعلاقاتنا بالله ونغير ما بأنفسنا: [إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ] .

 


 

[1] رواه أبو داود 2 / 111 برقم 1609 ، ابن ماجة 1 / 585 برقم 1827 وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 1085.

[2] رواه البيهقي والدارقطني وضعفه الألباني في إرواء الغليل رقم844.

[3] رواه البخاري 1 / 326 برقم 913

[4] رواه مسلم 1/74 برقم 55.

[5] متفق عليه: البخاري رقم 3288، ومسلم رقم 1688.

[6] رواه أبو داود 4 / 123 برقم 4342 و النسائي 6 / 59 برقم 10033 بإسناد حسن وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود 4 /124 حسن صحيح.

[7] فتح القدير 1 / 492

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم