الخطب والمحاضرات

عقوبات الربا

2010-01-25


بسم الله الرحمن الرحيم

عقوبات الربا

الحمد لله الذي رغب في الصدقات، وحث على الكرم و الجود وبذل الهبات، وزجر عن استغلال المسلم لأخيه المسلم عند الأزمات، و استحلال ماله بالحيل الواهية فقال سبحانه في آياته المحكمات: [يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ]

و الصلاة و السلام على من جعل الربا من أكبر الكبائر، ولعن آكله و موكله وكاتبه ومن كان على كتابته شاهد و حاضر، صلى الله عليه وعلى آله الجواد الكرام، وصحابته المتورعين عن أكل الحرام، وتابعيهم بإحسان في هذا المقام وكل مقام، ومن تبع سبيله وعلى منهجهم استقام.

وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة لم يحققها عبد الدرهم و الدينار، ولم يكملها آكل الربا المتوعد بالنار وبئس القرار، و أشهد أن محمداً عبد الله و رسوله المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق، ويطهر النفوس من الجشع و الطمع و ردئ الأخلاق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة مستمرة دائمة إلى يوم التلاق.

أما بعد:

عباد الله:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى [ َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ{279} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{280} وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{281}] .

عباد الله:

جريمة الربا من أفجع الجرائم وأبشعها، وأخبث أنواع الظلم و أفظعها، حيث يستغل الإنسان أخاه الإنسان أسوأ استغلال، في الوقت الذي هو مطالب بمعونته وتفريج كربته وإقالة عثرته؛ ليعيش مثله عيشة كريمة.

إنه مثال صارخ لشريعة الغاب، الذي يأكل القوي فيها الضعيف، ويشبع ويتخم فيها الكبار من لحوم ودماء الصغار.

ولذلك حرمته الشرائع السماوية، ومقته عقلاء المفكرين وإن أباحته الأنظمة الأرضية؛ لذلك جاء الزجر الشديد، و الوعيد الأكيد للمرابين، بل وللمتعاملين معهم من الفقراء والمحتاجين.

قال الله تعالى: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ].

و قال سبحانه:[يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ].

وقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ].

وقال سبحانه: [وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ].

وقال سبحانه: [ َبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً{160} وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً] .

عباد الله هذه مقتطفات من آيات الربا:

ومنها يظهر قبح هذه الجريمة و الكبيرة من كبائر الذنوب التي (لم يتهدد الله عز وجل ويتوعد مرتكب كبيرة كمرتكب جريمة الربا)

و من ذلك التهديد و الوعيد:

1- أن آكل الربا لا يقوم يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون و المسوس؛ ذلك إنه جُن بجمع المال، ولم يراعِ فيه حقاً و لا حرمة ولا حداً من حدود الله، فكان الجزاء من جنس العمل.

ومنه:

2- أن الله يمحق الربا أي يذهب بركته حساً ومعنى:

أما الحس فإنه يذهب ويزول وإن ظهر أنه كثير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل) ( [1] ) رواه الحاكم.

وأما المعنى: فقلة البركة وفقدان السعادة و غشيان الهموم و التعاسة في المعيشة، وإن سلم من ذلك فإن غداً نار جهنم تنسيه كل ما تمتع به في الدنيا من نعيم.

و منه:

3-0إعلان الحرب من الله على الأمة التي استحلت الربا و الأفراد المستحلين، وهذا الحرب ليس فقط محصورأ على الزلال و البراكين، ولا الخسف و المسخ ولا القحط وقلة الأمطار أوالفيضانات أو العواصف، وكل ذلك قد يكون من حرب الله، ولكن هناك حرب أخرى لا نشعر بها من الذل و الهوان و تسلط الأعداء: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".) ( [2] ) و منه الغلا وارتفاع الأسعار، و منه الوباء وانتشار الأمراض الغريبة، ومنه تفشي البغضاء و العداوة بين الناس، فهذا كله من حرب الله على العصاة من عباده، وكله موجود وللأسف وليس هنا من يسعى لإيقاف هذا الحرب.

ومنه:

3- إنه سبب لما جرى على بني إسرائيل من تحريم بعض الطيبات في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.

تلك بعض عقوبات الربا في القرآن.

وأما عقوبات الربا في الحديث فمنها:

1. أنه من أكبر الكبائر بل من السبع الموبقات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ وما هُنَّ قال الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يوم الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)) ( [3] ).

2. أن اللعنة تشمل كل من تعامل به أو كان له علاقة بمعاملته: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده وهم يعلمون)([4]).

3. أن قليله ككثيره في المقت، بل إنه أفظع من الزنا و الوقوع على المحارم. روى الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏: (دِرْهَمُ رِباً يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وهو يَعْلَمُ أَشَدُّ من سِتَّةٍ وَثَلاَثِينَ زَنْيَةً) ( [5] )

 

الخطبة الثانية

الحمد و الثناء

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }.

عباد الله:

يقول النبي r ((الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وأن أربا الربا عرض الرجل المسلم)) ( [6] ).

تعليق:

و من تلك الأبواب:

1. القرض بالفائدة.

2. الإيداع مع أخذ الفوائد.

3. آذونات الخزانة.

4. بيع العينة.

هذه من الأبواب الظاهرة، و من الأبواب التي تخفى على الناس بيع الذهب بالذهب مع زيادة لأحد الطرفين، زيادة الطعام بالطعام من الجنس الواحد، الطعام نسيئة مع جنس آخر، شراء أو بيع الذهب بالريالات دَيناً، تبادل العملات بغير قبض.

 


 

[1] رواه أحمد 1/395 برقم 3754، الحاكم في المستدرك 2/43 برقم 2262.

[2] رواه أبوداود 3/274 برقم 3462.

[3] رواه البخاري 3/1017 برقم 2615 ، مسلم 1 /92 برقم 89.

[4] رواه البخاري برقم 1597، ومسلم برقم 1598 وزيادة " وهم يعلمون " ليست في الصحيحين.

[5] رواه أحمد 5/ 225 برقم 22007.

[6] رواه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود " صحيح".

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم