الخطب والمحاضرات

التربية بالقصص

2010-01-21


بسم الله الرحمن الرحيم

14 شعبان عام 1424هـ

التربية بالقصص

مسجد خالد بن الوليد

الحمد لله الذي جعل مدار الأعمال على صدق المقاصد والنيات، وفرّق بالنية بين الأعمال المتشابهات، وتكرم سبحانه بتعجيل جزاء بعض الأعمال لمن احتاجه قبل الممات، وشرع لنا سبحانه التوسل إليه بصالح الأعمال في النائبات، أحمده و حمده وسيلة إلى المزيد من فضله ونعمه، وأشكره على واسع نواله وكرمه.

و الصلاة والسلام على من حرص على تربية أمته وإرشادها بكل وسيلة، فحينا بالموعظة البليغة وتارة بالقصة المستحسنة الجميلة، صلى الله عليه وعلى آله المطهرين من الأدناس، وصاحبته الذين عليهم المعول عند البأس، و التابعين لهم بإحسان من سائر الأمم والأجناس، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته، ولا ند له في الوهيته، ولا شبيه له في أسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، الذي لا فلاح إلا في طاعته، ولا ثواب إلا في متابعته، ولا جنة إلا في محبته.

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } أيها الأخوة المؤمنون:

إن من وسائل تربية النبي r لأمته استخدام القصص التى تبعث على سمو النفوس وارتفاع الروح وحسن الاقتداء وتصور الجميل في أبهى حلله، و تغري به وتحث عليه، وترسم القبيح في أبشع أشكاله وتنفر وتزجر عنه. و اليوم نستعرض قصة من قصص النبي r لنا فيها أبلغ العبرة وأتم الموعظة.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خَرَجَ ثَلَاثَةُ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمْ الْمَطَرُ فَدَخَلُوا في غَارٍ في جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عليهم صَخْرَةٌ قال فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللَّهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فقال أَحَدُهُمْ اللهم إني كان لي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالْحِلَابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فإذا هُمَا نَائِمَانِ قال فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ فلم يَزَلْ ذلك دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حتى طَلَعَ الْفَجْرُ اللهم إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى منها السَّمَاءَ قال فَفُرِجَ عَنْهُمْ وقال الْآخَرُ اللهم إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كنت أُحِبُّ امْرَأَةً من بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ ما يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ فقالت لَا تَنَالُ ذلك منها حتى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ فيها حتى جَمَعْتُهَا فلما قَعَدْتُ بين رِجْلَيْهَا قالت اتَّقِ اللَّهَ ولا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إلا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً قال فَفَرَجَ عَنْهُمْ الثُّلُثَيْنِ وقال الْآخَرُ اللهم إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ من ذُرَةٍ فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ فَعَمَدْتُ إلى ذلك الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ حتى اشْتَرَيْتُ منه بَقَرًا وَرَاعِيهَا ثُمَّ جاء فقال يا عَبْدَ اللَّهِ أَعْطِنِي حَقِّي فقلت انْطَلِقْ إلى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لك فقال أَتَسْتَهْزِئُ بِي قال فقلت ما أَسْتَهْزِئُ بِكَ وَلَكِنَّهَا لك اللهم إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَكُشِفَ عَنْهُمْ ) ( [1] ).

أيها الأخوة إن في هذه القصة عبر ودروس كبيرة كثيرة منها:

1. فضل معرفة الإنسان بربه، وبما يقرب إليه و يوصل إلى فضله و إحسانه. و أن تلك المعرفة تورث الأمل والاستبشار، وتزيل اليأس و القنوط:

·الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار.

·أيوب [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ].

·يونس (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ].

·هاجر: ( آلله أمرك بهذا،إذن لا يضيعنا).

فأين الأمة؟ وأين هؤلاء الذين نسمع إنهم ينتحرون من ضيق المعاش؟.

2. يذكرنا هذا الحديث بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ( [2] ).

3. الدرس العملي التطبيقي في بر الوالدين.

4. إن المؤمن قد يغفل وقد يغلبه الهوى و الشهوة، فيجهد ليبلغها ناسياً نهي الله ووعيده غافلاً عن عواقب ما هو فيه، ولكن من كان من المتقين الذين سبقت لهم العناية فإنهم يستيقظون ويبصرون فيرتدعون عما هم فيه: [وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ] .(ربط ذلك بواقع كثير من شبابنا وشاباتنا) .

5) حفظ الحدود و الحقوق.

 

الخطبة الثانية

الحمد و الثناء و الوصية بالتقوى:

عباد الله:

في الحديث بيان منهج المؤمنين الموحدين حينما تنزل بهم الكربات وتحل بهم النكبات، وأنهم في ذلك يرجعون إلى ربهم ويخلصون له الدعاء، ولا يشركون به أحداً سواه ولا يتوسلون إليه إلا بما شرع لهم التوسل به، ولم يثبت عن أحد من الأنبياء ولا من الصحابة أنه توسل إلى الله بعمل غيره أو بجاه غيره مهما كان: وإنما يتوسلون.

1. بأعمالهم الصالحة.

2. بأسماء الله وصفاته.

3. بضعفهم وافتقارهم إليه.

4. بدعاء الأحياء الصالحين القادرين على الدعاء.

 


 

[1] رواه البخاري 2/771 برقم 2102 ، مسلم 4/2099 برقم 2743.

[2] رواه أحمد 1/307 برقم 2803.

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم