الخطب والمحاضرات

الإستهزاء بالقرآن

2010-01-13


بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى 13 / 2 / 1431هـ

 

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.

الحمد لله الذي خصنا بـكتاب مبين {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} الحمد لله الذي حفظ كتابه من التحريف والتبديل وذم الذين يتعرضون له بالتمويه والتأويل وتحدى الإنس والجن أن يأتوا بأية من مثله مهما أوتوا من البلاغة والتأهيل فقال سبحانه {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} وقال تعالى {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} والصلاة والسلام على من وقر القرآن وكرمه وبجله وعظمه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماًً كثيراً

الوصية بالتقوى:

أيها الإخوة الكرام:

إن أقدس مقدسات الأمة هذا القرآن العظيم الذي قال فيه منزله سبحانه وتعالى: { وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بالهزل}، وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}، وقال جل وعلا: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.

وقال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فإن أصدق الحديث كتاب الله ) ويقول عليه الصلاة والسلام: ( القران شافع مشفعُ وماحِلُُ مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنةِ ومن جعله خلف ظهره ساقهُ إلى النار ) .رواه ابن حبان في صحيحه.

وقال فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كِتَابُ اللَّهِ فيه نَبَأُ ما كان قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ ما بَيْنَكُمْ وهو الْفَصْلُ ليس بِالْهَزْلِ من تَرَكَهُ من جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى في غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله، وهو حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وهو الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وهو الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هو الذي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، ولا تَلْتَبِسُ بِهِ الألْسِنَةُ، ولا يَشْبَعُ منه الْعُلَمَاءُ، ولا يَخْلَقُ على كَثْرَةِ الرَّدِّ، ولا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هو الذي لم تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حتى قالوا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ } من قال بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إليه هَدَى إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.)

لذا كان الواجب تعظيمه وتبجيله وإكرامه، فهو من أعظم شعائر الله وقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } وقال تعالى مبيناً حكم من يستهزئ به: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }.

وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من كل ما يمس حرمته أو يعرضه للامتهان والتنقيص فقال صلى الله عليه وسلم: ( مِرَاءٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ ) رواه أبو داود والحاكم وابن حبان وصححه الألباني.

والمراء ليس هو استهزاء ولا سخرية، ولكنه نوع من الجدال والمناقشة يتمادى فية المتجادلون إلى أكثر مما ينبغي، فكيف بالاستهزاء والسخرية؟

لا شك أن ذلك أشد وأقبح ولذلك قال بعض العلماء: ( إدخال القرآن في المزاح والدُّعابة كفر؛ لأنه استخفاف به ).

عباد الله:

وإنه لمن المؤسف أن يوجد ممن ينتسب لهذه الأمة الإسلامية وممن يقول " لا إله إلا الله محمد رسول الله " من يسئ إلى القرآن الكريم وإلى النبي العظيم وإلى مقدسات الأمة وثوابتها، دون وازع من دين أو خوف من رب العالمين، أو حياء من صالحي المؤمنين، ودون سلطان يردع المستهزئين وأقلام الساخرين المتطاولين على حدود رب العالمين.

ولقد جاء بعض ذلك من قبل الكافرين أعداء الدين من الدانمركيين والأمريكيين وغيرهم، وذلك غير مستغرب منهم، فهم أعداء، وقد وصفهم الله تعالى وبيَّن أن من طبيعتهم الاستهزاء بالدين وبالرسل وبالمؤمنين، كما قال جل جلاله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } وقد وقفت الأمة إزاء ذلك وقفة مشرفة، وحصل من الاستنكار والمقاطعة والفعاليات، ما أظهر للعالمين أن أمة الإسلام حية، وأنها لن تسمح لأحد بأن يمس مقدساتها، ولكن التناقض يظهر حينما تصدر الإساءة من بعض أبناء الأمة، وعبر البعض من وسائل إعلامها، هذه هي الجريمة والعثرة التي لا تقال، وكان من آخر فصول هذا المسلسل ما صدر في صحيفة الوحدة العدد رقم تسعمائة وواحد وستين ( 961 ) يوم الأربعاء الخامس من شهر صفر عام 1431هـ الموافق 20 يناير 2010م، من قول محرر الصحيفة: ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب البيض ..ألم يجعل كيدهم في تقويض..وأرسل عليهم صقور التوحيد..وفهوداً سمراً صناديد.. فجعلهم في كل منفى أشتاتاً رعاديد ).

ومعلوم أنه يريد السخرية والاستهزاء بمن يصفهم بالانفصاليين، وليس هذا موضع حديثنا، ولكنه انحرف الانحراف الخطير، ووقع في الخطأ والجريمة، حينما حشر تلك الكلمات من السورة الشريفة، واستعملها للوصول إلى غرضه؛ مما يعد امتهاناً للقرآن وسوء أدب معه، واستخفافاً بحرمته وقدََْره.

ومثل هذا التصرف يعد جريمة توجب العقاب، وذنب كبير يستوجب المحاكمة، وإصدار الحكم الشرعي الرادع له والزاجر لكل من تسوِّل له نفسه بمجاراته والسير في طريقه، من الاستهزاء والسخرية التي تمس القرآن ومقدسات الشرع، فعلى السلطة أن تقوم بواجبها من محاكمة هذه الصحيفة، ومعاقبتها العقوبة الشرعية بأقصى ما يقرره الشرع؛حتى تكون عبرة لغيرها وردعاً لكل ساخر وعابث.

وعلى سائر الأمة بعلمائها ومفكريها وأهل الرأي منها وسائر شرائحها أن تكون متنبِّهة لأي متعرض لدينها، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، تتحلى بأقصى درجات الغَيرة على محارم الله، وأن يكون هذا هو دأبها وديدنها دائماً في كل الأحوال، وسائر المناسبات، لا تحتاج إلى من يدفعها إلى ذلك، ولا من يحركها له غير إيمانها وغيرتها الإسلامية.

كما يجب عليها أن لا تغفل أصل التثبت والأناة في أمورها، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} حتى لا نصيب أحداً بجهالة فنندم ولات حين مندم.

ويجب عليها كذلك أن تحذر أن يستغلها مستغل؛ لتحقيق مآرب شخصية أو حزبية، أو تسييرها وفق توجهات سياسية يريد تحقيقها مستغلاً غَيرتها وحماسها الديني، سواءً كان من جهة السلطة أو المعارضة أو أي جهة كانت، فإن أربابَ السياسة لا يتورعون عن استخدام الجماهير لمصالحهم ومآربهم ولو باسم الدين ومحبة رب العالمين.

عباد الله:

وإنها مناسبة أن ندعو هذا الكاتب إلى التوبة إلى الله، وأن يستغفر ربه، ويرجع عن هذا المسلك الذي لم تكن هذه الإساءة هي الأولى منه، بل إنه قد سبق أن صدر منه بعض الإساءات والكلمات التي يظهر منها الاستخفاف بالقرآن عندما كان في عدن، ويكتب في صحيفتي " صوت العمال " و" الثورة "كما قيل، فمع دعوتنا للسلطة أن تتخذ كافة السبل لعقابه العقاب الشرعي اللائق بجرمه، كذلك ندعوه هو للتوبة الصادقة، وندعو كل أرباب الكلمة من صحفيين وكتاب،وسائر من يكتب ويخطب أن يتقي الله ويقول قولاً سديداً متأدباً بقول الله تعالى: ( وقل لعبادي الذين آمنوا يقولوا التي هي أحسن) وقوله تعالى: ( وقولوا للناس حسناً ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )،ونحذرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً ).

وأن نربي أنفسنا ومجتمعنا وأسرنا على عفة اللسان وحسن الكلام.

نسأل الله أن يهدي الجميع، ويوفقهم لما فيه رضى رب العالمين، وحفظ وصيانة هذا الدين، وتحقيق الأمن لعموم المؤمنين إنه سميع مجيب.

 

15/2/1431هـ

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم