الخطب والمحاضرات

النصيحة والتعيير

2010-01-08


النصيحة والتعبير

 

الحمد لله الذي نزه ألسنة المؤمنين عن الفحش والإفساد، وقلوبهم عن الغل والأحقاد، وجعل النصيحة شعار المؤمنين، والإشاعة شعار المنافقين والمرجفين.

والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله القائل: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ).

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

- الوصية بالتقوى

عباد الله :

إن ما يؤسف له أن جماعات من الناس قد شغلهم القيل والقال، وإشاعة الإشاعات أو الاستماع إليها عن كل عمل صالح، أو قول نافع ناصح، فخالفوا بذلك طريقة المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالإعراض عن اللغو في قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) وقوله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ )

فالمؤمنون حافظون لألسنتهم وأسماعهم ، إن نطقوا صدقوا ونصحوا ، وإن سمعوا فحصوا وميزوا متأدبون بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) بل إنهم لو قُدر أن سمعوا ما لا يليق في حق أنفسهم أو إخوانهم المؤمنين أو حق أمتهم ووطنهم ردوا ذلك بالتي هي أحسن، قال تعالى في وصفهم: (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) وهم بذلك يحافظون على إخوتهم ومحبتهم ووحدتهم، ويقطعون الطريق على المندسين، الذين يريدون أن يتخللوا صفوفهم فيفرقوا جماعاتهم ويثيروا العداوة والبغضاء بينهم، ويشغلوهم بما يضرهم ولا ينفعهم، بعكس المنافقين فإن بضاعتهم الكذب، وسلاحهم الإشاعة، ووسيلتهم الإرجاف بالمؤمنين فيما بينهم، قال الله تعالى كاشفاً حقيقتهم ومحذراً منهم: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا)

وقال تعالى كذلك مبيناً حالهم وكاشفاً عن طبائعهم ومحذراً من مكائدهم: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)

فإنشاء الإشاعات ونشرها بين الناس من طبيعة المنافقين؛ وذلك إما بقصد الإرجاف بالمؤمنين وتهويل أمر الأعداء عندهم وإخافتهم منهم، كما قال تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)

وقوله تعالى (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)  أو من أجل التشكيك في القيادة كما قال بعضهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ( ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكذب ألسناً ولا أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء ) ( [1] ) .

وقول بعضهم يوم حنين حين فر المسلمون أمام هوازن ( الآن بطل السحر ) ( [2] )  { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} .

وكما فعلوا في زمن عثمان رضي الله عنه حتى تمكنوا من قتله رضي الله عنه، وفتح أعظم باب للفتنة .

ومازالوا في كل عصر ومصر يفعلون ذلك، بل لقد طوروا من أساليبهم وطرقهم بما يقتضيه هذا العصر.

وللأسف فإن بعض أحزاب المعارضة في العالم الإسلامي، قد تبنت تلك الطريقة ونهجت ذلك المنهج بعلم أو بغير علم .

ولا أقول بأن حكام اليوم مثل عثمان، ولا أن جميع تلك الأحزاب مثل حزب عبد الله ابن أبي أو عبد الله بن سبأ، وإنما أشبه الأسلوب الأسلوب والمنهج المنهج، وإذا كان الله تعالى قد قال في حق الصحابة:    ( وفيكم سماعون لها ) فمن باب أولى أن يكون في المؤمنين الصالحين المخلصين من يسمع لأهل الإشاعات ويتأثر بهم ويتابعهم على إرجافهم وسيء دعاياتهم وهذا ما حصل فعلاً

ففي هذه الأيام فشت الدعايات والإشاعات ، وتحدث الكثير بما لا حقيقة ولا أصل له، وذلك بمناسبة انعقاد مجلس التنسيق اليمني السعودي هنا في حضرموت في المكلا.

وكان الأجدر هو أن يفرحوا ويستبشروا بذلك ويشكروا من سعى إلى انعقاد ذلك المجلس، وأن يأتي هذا الجمع الكبير من أصحاب القرار السياسي ورجال الأعمال إلى بلادنا، ثم يساعدوا في بلورة المطالب المهمة والاقتراحات المفيدة والتصورات النافعة لنخرج بمكاسب قيمة من ذلك، بدل أن نجلس في المقايل والمقاهي ونخترع الإشاعات أو نشيعها.

وكان من الأجدر كذلك أن ننظر إلى السلبيات والمنكرات الظاهرة التي حدثت هذه الأيام، أو سوف تحصل في الأيام القادمة، ومن أشهرها السهرات التي اجتمع فيها الرجال والنساء بطريقة لم نعهدها في هذه البلاد.

وكذلك ما يسمى بالا وبريت الذي ينوون عرضه أمام الضيوف، وفيه النساء المشاركات في تلك العروض بما يخالف الشرع والحشمة وما درج الناس عليه في هذه البلاد .

الخطبة الثانية

الحمد الله العزيز الذي لا يضام، والقيوم الذي لا ينام، الذي وعد المحسنين بالفضل والإنعام، والمفسدين بالسخط والانتقام.

والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، الذي كان أول ما كلف به قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فجمعهم في صعيد واحد ثم قال: ( يا أيها الناس إني نذير لكم بين يدى عذاب شديد ) ( [3] ) .

صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المقربين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

واشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبد ورسوله.

عباد الله :

إنني أكرر هنا ما قاله صلى الله عليه سلم: ( إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) وقد ذكرت في الخطبة الأولى بعض ما وصل إليه أمرنا من تسارع نحو الانحلال، وتسابق إلى الانحدار ووصول الحال إلى وضع نخشى معه أن يغير الله علينا نعمة أنعمها على قوم؛ لأن الله تعالى يقول : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )

وقد ضرب الله لنا الأمثال، ووعظنا بأبلغ الأقوال فقال سبحانه: (  وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) فالجوع جندي من جند الله يسلطه الله على من يشاء، وينتقم به ممن يشاء، أو يؤدب به من يشاء، والخوف كذلك، وكم قد رأينا في عصرنا الحاضر من دول وعواصم كانت ملء السمع والبصر، أمناً ورخاءً وحضارة ورقياً، وكانت قبلة السواح ومفتاح الباحثين عن الرحلة والطمأنينة وسوق التجار، فأسرفت في مستلزمات السياحة من الملاهي والمراقص والبارات ودور الدعارة، فانتقم الله منها ونكبها وهي من عشرات السنين في عذاب أليم وعقاب شديد، وإلى الآن لم تخرج من محنتها ولم تتعافَ من ضربتها، ولعل بعضكم قد سمع عن بيروت ما قبل الحرب وهو يسمع عن بيروت اليوم، وسمع عن أسمرة ما قبل الحرب ويسمع اليوم ما تعانيه وما حل بها، لقد رحل التجار وحلت المجاعة والمخافة والأخطار، وما كان ذلك إلا بإرادة العزيز الجبار، وهناك تايلندا مركز السياحة في الشرق وسوق الباحثين عن المتعة الحرام، ماذا حل بها؟ وماذا نزل بسواحلها من الطوفان؟ ثم ماذا يفعل الآن بأهلها الإيدز؟ إن في ذلك لذكرى للذاكرين، وعبرة للمعتبرين.

عباد الله :

إن الذين ينفذون مخططات أعدائنا المتمثلين في المنظمات المشبوهة، التي تتظلل بمظلة الأمم المتحدة والمتخصصة في شؤون السكان والمرأة، والذين يسعون لجلب المطربين والمطربات من الخارج، ويشجعونهم في الداخل بشكل يدفع بالكثير من الشباب والشابات لامتهان تلك المهنة، والذين يعملون على إقامة الحفلات المشتملة على المجون والرقص والاختلاط، والذين يؤسسون لرياضة المرأة الرياضة العامة، التي تشابه ما نراه من رياضة نسائية في كثير من بلدان العالم، الذي يصل إلى حد العري أو شبهه، والذين يدربون الطالبات في بعض المدارس على الرقص والغناء ويدفعون بهن لفعل ذلك في الحفلات أمام الرجال، والذين يطلقون لنسائهم العنان يحضرن تلك الحفلات وذلك الم جون؛ فيذهبن وحدهن، ويختلطن هناك بالرجال ويسهرن إلى ساعات متأخرة من الليل، بل بعض الليالي إلى الفجر، والذين يصحبون نسائهم إلى هناك مع مايرون من أعمال مخلة بالشرف والشهامة والرجولة والالحياء والدين، إن أولئك جميعاً يمثلون وفد عاد الذين ذهبوا يستسقون لقومهم فعادوا إليهم بالعذاب الأليم والهلاك المبين، قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}  وهم يمثلون أيضاً عاقر الناقة في ثمود الذي قال عنه وعنهم الله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) ) فالعاقر واحد  والدمدمة والعذاب على الجميع.

ويمثلون جرذان سبأ حيث حفروا السد وأوهنوه ليقع العذاب والتمزيق على الجميع كما قال تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )،وهم الذين يحملون فؤوسهم ليخرقوا سفينة مجتمعنا، ليغرقوا ويغرقونا معهم إن لم نأخذ على أيديهم.

فعلينا عباد الله أن ننتبه مِن غفلتنا، ونصحو من رقدتنا، وننجو بأنفسنا من العذاب الأليم المترتب على هذه الأفعال.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفسير ابن كثير 2 / 368

[2] مجمع الزوائد 6 / 180

[3] صحيح البخاري 4 / 1804برقم 4523

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم