المقالات

هل نقدر أن نحول قافلة الحرية إلى فتح مبين؟

2010-08-04


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

أما بعد:

فإنني لن أتحدث حديث المحلل السياسي، ولن أعلق تعليق الإعلامي، ولن أخوض جوانب قد يكون بعضها لست محققاً لأبعاده، ولكنني سأحاول أن أربط بين حدثين لا أقول أنهما متشابهان أو متقاربان، ولكن يمكن أن نستفيد من الحدث القديم ما نستثمر به الحدث المعاصر خاصة ونحن نعيش آثار الحدث المعاصر.

أما الحدث المعاصر فهو الحملة التي أطلق عليها " أسطول الحرية  لكسر الحصار عن غزة" والحدث القديم هو غزوة الحديبية وصلحها.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عزم على الخروج إلى مكة فيما عُرف فيما بعد بغزوة الحديبية أخبر أصحابه أنه رأى أنه وإياهم داخلون مكة معتمرين، منهم من يحلق رأسه ومنهم من يقصره بعد تمام عمرتهم، وبما أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق لا تتخلف فقد نُزِّلت هذه الرؤيا منزلة الخبر الصادق؛ وبناءً عليه جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقادهم إلى مكة يسوقون الهدي لنحره عند محله، وأحرموا من الميقات وتوجهوا إلى مقصدهم ملبين ذاكرين الله تعالى، فاعترضتهم قريش وكان من أمر الصلح ما كان، وعلى إثره أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن يحلوا من إحرامهم وينحروا هديهم وسبقهم ففعل ذلك بنفسه، ونزل ذلك الذي جرى بالحديبية على الصحابة نزول الصاعقة؛ حيث أن الوعد كما ظنوا لم يتحقق والطواف بالبيت لم يحصل وبنود الصلح يظهر لهم أنها تنازل كبير لكفار مكة، ودارت أحاديث بينهم تنم عن عدم الرضا بما حصل، بل إن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وواجهه بما يدور في صدره فقال: ( أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قال بَلَى: قلت: أَلَسْنَا على الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا على الْبَاطِلِ؟ قال: بَلَى، قلت: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إِذًاً، قال إني رسول اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وهو نَاصِرِي، قلت: أو ليس كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ، قال: بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ، قال قلت: لَا، قال: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ، قال: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فقلت: يا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هذا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قال: بَلَى قلت: أَلَسْنَا على الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا على الْبَاطِلِ قال: بَلَى قلت فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إِذًاً قال: أَيُّهَا الرَّجُلُ إنه لَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وهو نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إنه على الْحَقِّ قلت: أَلَيْسَ كان يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قال: بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قلت: لَا قال فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ ) رواه البخاري في صحيحه، وكان الأمر كما قال سهل بن حنيف رضي الله عنه مذكراً الناس في مناسبة أخرى شبيهة: ( اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يوم أبي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ على رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وما وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا على عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إلا أَسْهَلْنَ بِنَا إلى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قبل هذا الْأَمْرِ ما نَسُدُّ منها خُصْمًا إلا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خُصْمٌ ما نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي له )رواه البخاري، وحينما قفل النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة نزل صدر سورة الفتح: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا _ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا _ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) فقال عمر: يا رسول الله أفتح هو؟ قال نعم.

ومادام أن القرآن قد قرر أن ما جرى كان فتحاً فلابد أن يكون فتحاً، بل الواقع يشهد بلا مرية أنه كان فتحاً.

فكيف تحول ذلك إلى فتح؟

إن الصلح بما في ظاهره من إجحاف بحق المسلمين كان يحمل في طياته بعض الفرص للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تتيح لهم التحرك بالدعوة والجهاد بأوجهه المختلفة والخروج من الدائرة التي كانت حالة الحرب تحصرهم بداخلها. فاستغلوا تلك الفرص واستثمروا تلك الإيجابيات فنهضوا بلا توان ولا تلكؤ لإيصال دعوتهم إلى كل مكان يمكن الوصول إليه. وبتلك الهمة والمبادرة وبذلك الانقضاض القوي والسريع والمدروس على تلك الفرص المتوفرة حصل الفتح المبين وتحقق النصر العزيز، وانتهت دولة الشرك والوثنية من مكة بل من جزيرة العرب فيما يقارب سنتين من الزمان.

هذا هو الحدث القديم وتلك صورته وتلك آثاره العظيمة المذهلة وتلك أسباب تحقق تلك الآثار.

والآن دعونا نلقي الضوء على الحدث المعاصر:

إنه حادث أسطول الحرية لفك الحصار عن غزة، ولن أطيل بتوصيفه وتفصيل أهدافه ووسائله والأطراف المشاركة فيه، مع شكري الجزيل لكل من ساهم فيه من عرب وعجم ومسلمين وغير مسلمين فكلهم يستحق الشكر.

ولكني أقف قليلاً عند الآثار؛ فإنها آثار عظيمة لم تحدث في أي مرحلة من مراحل الحرب بيننا وبين أعدائنا اليهود حتى حرب غزة مع ما فيها من مآسٍ وبطولات، لم تحدث مثل هذه الآثار التي أحدثها أسطول الحرية.

لقد فتح آذاناً صماً وأعيناً عمياً عن الحقائق، لقد أزال أسطورة الوهم عند البعض بأن إسرائيل منزهة عن النقد، لقد أنزل تلك الدولة من علياء كبريائها، وأخرجها من حصن حصانتها، وعرَّضها لأقوى الانتقادات وزلزل ثوابتها؛ فاستجابت صاغرة لقولِ وفعلِ ما لم تفكر في قوله أو فعله. وليس هذا هو أكبر ما يهمنا وإنما أكبر ما يهمنا أن نفقه بوضوح ما حصل، وأن ندرك أبعاده على حقيقتها، وأن نستغل ونستثمر ما حصل على الوجه الأكمل لنقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في استغلال الفرص وصنع الفتوحات والانتصارات إذا وجد ما يمكن من صنعها.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم استغل أحسن الظروف فأرسل الرسل إلى الملوك وسادات القبائل، وبلغهم دعوة الإسلام وشرح لهم ما يريد شرحه واستغل تحييد مشركي مكة؛ فتوجه إلى اليهود في خيبر ونازلهم وفتحها وأخذها، واستغل الهدنة فتوجه للبناء الداخلي واستكمال إقامة الدولة والتهيئة للفتح الأكبر فتح مكة، وعقد الاتفاقيات مع قبائل، وأدب قبائل أخرى واستقبل الوفود وكان قد خرج إلى الحديبية بألف وخمسمائة مقاتل، فما جاءت غزوة الفتح بعد سنتين حتى خرج بعشرة الآف مقاتل.

واليوم يا قادة المسلمين ألا تتقون الله، وتستغلون هذه الفرصة وتستثمرون هذا الحدث، وتوقنون أن التمرد على إرادة اليهود وإرادة من وراء اليهود لا يزيد المتمرد إلا رفعة ومكانة، فإلى متى تبقون تخافون وتخشون الناس أشد من خشية الله؟! إلى متى تضلون ترقبون في مواقفكم وأعمالكم وسياستكم الناس ولا ترقبون الله ولا تصدقون وعده ولا تتخذون ما وصف لكم من أسباب العزة والنصر في كتابه وما وصف لكم من ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم من صحيح سنته وما ينصحكم به الناصحون؟! ألا تجربون كما جربت تركيا فنالت الاحترام والتقدير رسمياً وشعبياً من جميع دول العالم مع ما يتوقع لمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله من نصرة الله ومعيته وتأييده وإلقاء محبته وقبوله في قلوب عباده وتسخير جند من جنده يعينونه على ما عزم على فعله مما ينصر الله ودينه وعباده المؤمنين. وإنني أخاطب بذلك جميع قادة المسلمين من علماء ومفكرين وسياسيين وإعلاميين وعسكريين، أخاطب الجميع ,وألح في الخطاب حتى لا تفوت الفرصة وتوأد المناسبة؛ حتى لا ييأس الشعوب فيتصرفون تصرفات لا تحمد عقباها، ولا تحقق إلا المزيد من الفتن والارتهان للأعداء.

أسأل الله أن يفتح على قلوب الجميع، وأن يشد من أزرهم، وأن يقوي عزائمهم لفعل ما يؤمله منهم شعوبهم إنه على كل شيء قدير.

 

 

وكتبه

أحمد بن حسن المعلم

8رجب 1431هـ

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم