المقالات

عــام التغييـر

2010-08-02


الحمد لله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لا يحصي خزائن ملكه إلا هو، ولا ‏يعلم جنوده أحد سواه، بيده القسط يخفض ويرفع وكل شيء عنده بمقدار، يعز من ‏يشاء ويذل من يشاء، بيده الملك وهو على كل شي قدير .‏
‏ والصلاة والسلام على من لم يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً، ولم يبتعد الأمل عن ‏نفسه كثيراً ولا قليلاً، يعد بالفتوحات في أحلك الظروف والساعات، ويبشر بالفرح ‏والنصر عند أشد الأزمات، وفي غياهب الفتن المدلهمات، صلى الله عليه وسلم ‏تسليماً كثيراً، أما بعد:‏
‏ أمتنا العزيزة بصغارها وكبارها بقادتها وشعوبها بعلمائها ومفكريها وسائر ‏طبقاتها:‏
‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعام جديد يبزغ فجره علينا جميعاً بالفتح ‏والعز والتمكين، ورسوخ الإيمان وشمول الأمن والأمان، واكتمال السعادة العامة ‏والخاصة.‏
عام جديد وما أظن عاقلاً من أمة محمد لا يريده عام تغيير، وعام تجديد، وعام ‏انقلاب شامل على كل مظاهر السوء التي تعيشها الأمة. ‏
انقلاب، نعم: لكنه انقلاب أبيض فعلاً، لا أحمر قانياً ولا أسود داكناً، بل ولا رمادياً ‏باهتاً، إنه انقلاب من الإعراض عن الله تعالى إلى الإقبال عليه والفرار إليه، { ‏فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } (50) سورة الذاريات ‏
‏ انقلاب من موالاة أعدائه إلى موالاته وموالاة من تجب موالاته: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ ‏وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (55) ‏سورة المائدة.‏
انقلاب من خشية أعدائه إلى خشيته: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ ‏تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (175) سورة آل عمران .‏
‏ انقلاب من الشك في وعده والتكذيب بخبره إلى التصديق الكامل والتسليم الشامل ‏له: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ ‏وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} (22) سورة الأحزاب، وندع شعار ‏المنافقين: { مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} (12) سورة الأحزاب وشعار ‏اليهود: {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا ‏هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (24) سورة المائدة .‏
‏ انقلاب من استشعار العجز والركون إلى الإحباط واستصغار أنفسنا وقدراتنا، ‏إلى الوثوق بأنفسنا وبقدراتنا وإمكانياتنا، وأن الطريق أمامنا مفتوح، فقط يريد ‏عزيمة تدفعنا إلى سلوكه، كما قال الله تعالى حاكياً عن موسى وقومه: {قَالُواْ أُوذِينَا ‏مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ‏الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (129) سورة الأعراف.‏
ولا بأس أن نستشهد بقول المتنبي: ‏

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

وقول الآخر :‏

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر‏

ونتذكر أنه:‏

من يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر

‏ ويجب أن نعلم أنه ليس هذه المرة هي الأولى التي تصاب فيها الأمة بالضعف ‏وتحاط بالفتن وينزل بها ما تنوء بحمله، فقد أصاب الأمة ما أصابها يوم مات ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تلبث أن نهضت ، وأصابها ما أصابها في ‏أحداث وأزمان كثيرة فصممت على النهوض فنهضت، ومن أبرز ذلك سقوط بغداد ‏على يد التتار، وسقوط الأندلس، وغيرها من الفترات الحالكة، ووعود سيادة الأمة ‏كثيرة وصحيحة ولكنها تريد من يعمل لتحقيقها، فهل سيكون هذا العام عام البدء ‏في تحقيق ذلك؟ يجب أن نعمل على ذلك قال تعالى: {سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ‏وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ‏+‏ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ‏وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ‏وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (10 -11 ) سورة ‏الرعد.‏ <

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم