الخطب والمحاضرات

الثبات على دين الله

2012-03-06


الثبات على دين الله

 -المقدمة، والوصية بالتقوى.

 أيها الإخوة المؤمنون: لقد أمر الله عز وجل بالتذكير قال سبحانه وتعالى: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } [ق : 45] وقال سبحانه وتعالى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55] وقال تعالى: { فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى* سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى* وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى* الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى* ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى } هكذا أمر الله عز وجل بالتذكير، والتذكير ليس بالتعليم أو ليس بالدلالة على أمر جديد، وإنما أن يذكر المؤمن بأمر هو يعرفه، وبالتالي فإن التكرار في بعض المواضع من باب التذكير أمر مطلوب ومأمور به إذا كان الوضع والحال يقتضيه، وهناك أمور مهمة في جميع الأحوال يجب أن لا يمل الناس من تكرارها والتذكير بها بأساليب متنوعة؛ لأن نسيانها والغفلة عنها تجر إلى مصائب و مآسي في حق الشخص والجماعة، وتمر بالناس أوقات وأحوال تجعل الحاجة إلى التذكير ببعض هذه الأمور المعروفة واجب مؤكد وملح إلحاحاً شديداً، ومن تلك القضايا التي يجب بين فينة وأخرى أن يذكر بها الناس، الثبات على دين الله، الثبات على المبادئ وعلى الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة وعدم التزلزل و الانحراف عنها، فالله عز وجل أمر بالاستقامة و أمر بالثبات على شرعه ودينه وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيُذكّر بهذا المبدأ العظيم حينما تكون الأيام والأحوال تضرب وتمتلئ بالفتن وتختلط فيها المفاهيم، ويسعى فيها دعاة الشر والفتنة كلاً يدعوا إلى طريقه ومبدئه وحزبه وطائفته وطريقته، هنا يجب أن يذكر الناس بالثبات على دين الله عز وجل، وهذه الأيام التي نعيشها نخشى أن تكون من تلك الأيام و الأحوال التي تمر بنا، نخشى أن ينطبق على هذه الأيام و الأحوال قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمن ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ) رواه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فكم رأينا من تحولات وشاهدنا من انتكاسات وفوجئنا بتقلبات ما كانت تخطر بالبال، ومن أناس أيضاً ما كان يظن أبداً أن يحصل لهم ذلك الانحراف والسقوط في مهاوي الفتنة، فوجب على كل واحد منا أن يخاف على نفسه، وأن يبحث عن أسباب الثبات و النجاة، وأن يلح في دعائه لربه سبحانه أن يثبته على الحق، ويكثر من الدعاء المأثور الصحيح الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نقوله في سجودنا: ( يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ) وأن يتدبر أيضاً الدعاءَ العظيمَ الذي نقوله جميعاً، دعاء كلنا ندعو به في كل ركعة من ركعات صلاتنا، هو قولنا في آخر الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} نعم هذا الدعاء كلنا يقوله، ولكن مَن الذي يعرف أنه دعاء؟! نسأل أنفسنا نحن دائماً نقول اهدنا الصراط المستقيم لكن على أي وجه نقوله، وبأي نية وقصد نقوله، هو قرآن ؟ نعم نحن نقرأ القرآن ولكنَّ هذا قرآناً متضمن لدعاء يجب أن يكون في قلوبنا أننا ندعو الله عز وجل به و نرجو إجابته سبحانه وتعالى. إن الغالبية العظمى من الناس يقولونه تقليداً دون معرفة بحقيقته ودون قصد لتحقيقه، وقد قرر الله عز وجل في الحديث القدسي أنه دعاء وأنه يعطي للداعين به ما سئلوا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه سبحانه وتعالى أن العبد إذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل - أي أنا أعطيه هذا السؤال وأجيب له هذه الدعوة وله ما سأل غيرها أيضاً من الدعوات- . ولذلك نختم الفاتحة بما يختم به الدعاء فنقول: آمين بعدما نقول هذا الكلام، فالهداية إلى الصراط المستقيم حقيقتها الثبات على الحق وعدم الانحراف عنه، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بتلك الاستقامة فقال مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين اتبعوه من عصره إلى يوم الدين: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود : 112] فتأملوا كيف أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة أي التمسك بالحق والثبات عليه وهو سيد المستقيمين؛ لأن الأصل الذي تقوم عليه رسالته هو الاستقامة والثبات ورفض كل أشكال الاضطراب والتناقض والانحراف عن الجادة، وهو كما أصل للرسالة والدعوة وهو أيضاً أصل للديانة والسلوك الشخصي لكل مسلم؛ ولذلك قرن الله تعالى في هذا الأمر بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه أي عموم المؤمنين، وكل واحد منا يطمع أن يكون من أولئك المؤمنين الذين تابوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل واحد من المسلمين المتقدمين والمتأخرين مخاطبين بهذا الخطاب: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ } أي ويستقيم المؤمنون الذين تابوا معك كما أُمروا ولا يطغوا. فعلينا أن نسأل الله هذه الاستقامة وأن نحققها في أنفسنا؛ فنستقيم على أمر الله في كل أحوالنا وفي مواجهة جميع الظروف من شدة ورخاء وخوف ورجاء وأمام العوائق والمغريات في جميع ذلك، علينا أن نستقيم على أمر الله فلا ننحرف عنه ولا نساوم عليه؛ ولما كان المتبادر إلى الذهن أن الله يحذر من التقصير والتفريط في الدين أكد الله عليه ما يقابل ذلك وهو ما قيد يغفل عنه الإنسان ولا يظنه مقصوداً بالاستقامة وهو الغلو الذين يزين الشيطان لكثير من الناس أنه مما يحبه الله قال سبحانه: ( وَلَا تَطْغَوْا ) أي ولا تتعدوا ولا تتجاوزوا ولا تغلوا في أموركم، أي لا تُفرِطوا ولا تفرِّطوا، لا تتهاونوا ولا تغلوا في شيء من الأمر واستقم فكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وفي أيام المحن والابتلاءات يحصل الانحراف عن الصراط المستقيم إما بالتفريط وإما بالإفراط، فعند أول محنة كبيرة مرت بالمؤمنين بعد إكمال دينهم و تمام نعمة الله تعالى عليهم، ألا وهي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت الردة عن الإسلام من أكثر قبائل العرب وبلدان العرب غير مكة والمدينة والطائف كما هو معلوم في السيرة، حصلت هذا الابتلاء والانحراف والتفريط في الاستقامة على دين الله، انتهى الثبات عن أولئك الذين ارتدوا وأعقبه الانحراف، وأي انحراف أكبر من أن يرتد الإنسان عن دينه، وعند المحنة الثانية بعد ذلك عندما حصل القتال بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزعَّم عليٌ رضي الله عنه فريقاً والفريقَ الأخر معاويةُ رضي الله عنه أيضاً حصل فتنة كلها في باب الغلو، ذاك الردة في باب الجفاء وهذا الردة في باب الغلو، فالخوارج خرجوا على علي ومعاوية وسائر الصحابة في أثناء المحنة، وفي أثناء الفتنة والاقتتال بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نمت بذور الرفض والتشيع بدءاً من تلك المحنة، وكلا الطائفتين من الغلاة كما هو معلوم للجميع، ففي المحن تحصل الانحرافات ويحصل التزلزل، تتزلزل الأقدام وينتهي الثبات ويذهب اليقين وتعقبه الشكوك والشبهات، وينجرف فئام من الناس عن الجادة نسأل الله أن لا يجعلنا وإياكم منهم. وفي محنتنا التي نمر بها يبدو أن النوعين من الفتنة حاضران، ففتنة التخلي عن بعض أصول الدين ومسلماته حاضرة يقوم بها بعض من الناس أتباعاً لأسيادهم الغربيين، ويجاهرون بذلك ويناضلون عليه ويتخذون كافة الوسائل لغرسه في مجتمعنا وترسيخه، وفتنة الغلو والإفراط حاضرة كذلك، فللحوثية وجه من أوجه الغلو المذموم ولها فكرها ومنهجها الغالي الذي تقاتل لفرضه على المجتمع وتتخذ سائر الوسائل المؤدية إلى ذلك، والقاعدة وما يتفرع عنها لها فكرها أيضاً ومنهجها الغالي وهي كما تسمعون تقاتل عليه وتعمل بكل وسيلة إلى فرضه على الناس، وفي أوساط المجتمع أفراد وفئات غيرت وبدلت وباعت القيم وخانت الأمة وحطمت المبادئ، كل ذلك لأجل عرض من الدنيا قليل، وعود كاذبة بمناصب ووجاهات وحفنات حقيرة من المال وحطام الدنيا الزائل، هذه نتائج الفتن وتلك ثمارها المرة، فأين أنت يا عبد الله من هذه الفتن؟؟ أين أنت من تلك التقلبات والتغيرات الخطيرة؟؟ هل أنت ممن قال الله فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب : 23] أسأل الله أن أكون وإياكم وسائر المسلمين على هذا المبدأ، ومن هؤلاء الرجال الذين مدحهم الله عز وجل، أن نكون بعيدون - والعياذ بالله - من الذين قال الله عنهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج : 11] وممن قال الله فيهم: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء : 143] إن أعظم ما يتصف به المؤمن في هذه الأحوال هو الثبات والاستقامة و لذلك كان دعاء الصالحين الصادقين عند اشتداد الخطوب ونزول الكروب: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة 250:] ونحن نقول ذلك ونكرره تضرعاً إلى الله عز وجل ورجاء أن يستجيب لنا وان يثبتنا فنقول : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت إقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . الخطبة الثانية - المقدمة والوصية بالتقوى. أيها الإخوة الكرام: إذا علمتم أن أعظم مطلب يسعى إليه المؤمن هذه الأيام هو الثبات على الحق، فاعلموا أن للثبات على الحق أسباباً، فعلينا أن نسعى في تحصيلها منها: الإخلاص لله عز وجل، وصدق النية وإرادة وجه الله في كل تصرف يتصرفه الإنسان ومجاهدة النفس على ذلك، فحينما يكون الإنسان مخلصاً فلا يخشى عليه، إنما يخشى على من اختلطت نيته وأصاب الدخن قصده ووجهته، ذاك الذي يخشى عليه نسأل الله أن لا يجعل أحداً منا من أولئك المدخولين المغشوشين. قال الله سبحانه وتعالى {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص : 83] وقال سبحانه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت : 69]. السبب الثاني: القناعة الراسخة بما عليه الإنسان من منهج وعدم التشكك فيه، أي أن الإنسان يسير على طريق ومنهج يجب أن يكون راسخاً في هذا الطريق، وموقناً بهذا المنهج وغير متشكك فيه ولا عنده مجال أن يتخلى عنه إذا رُميت عليه الفتن وغاب في غياهب الظلمات والمحن؛ فيثبت على ذلك مهما بلغت الأثمان وكانت التبعات والتضحيات؛ فذاك الذي يثبته الله عز وجل، فالقناعة الراسخة بما عليه الإنسان من منهج صحيح وعدم التشكك فيه سبب في الثبات عليه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاء قومه يعرضون عليه العروض السخية ليتنازل عن مبدئه وعن دينه ورسالته التي بعثه الله بها، قال وهذه رواية صحيحة وهناك رواية أخرى دائرة على ألسن الناس ولكن فيها ضعف ، قال : ( والله لو قبسوا لي من الشمس قبسة على أن أدع هذا الدين ما تركته أو أن تنفرط سالفتي ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم معنى ذلك انه آمن بهذا المبدأ وأيقن به فمهما جاءوا بالترغيب أو جاءوا بالترهيب فلن يؤثروا عليه، وذلك أبعد من أن يأخذ الإنسان قبسة من الشمس، تصوروا هل يقدر إنسان أن يأخذ شي من الشمس؟ لا يستطيع أحد، فلذلك المؤمن الموقن يكون استحالة تزلزله وانحرافه عن مبدئه كاستحالة أن يأخذ الإنسان قبسة من الشمس . السبب الثالث من أسباب الاستقامة و الثبات: الاعتدال والواقعية والتوازن في حال الإنسان وتفكيره، حينما يكون على منهج وسط ويكون معتدلاً في أفكاره وفي أحكامه وتصوراته، بل في أموره كلها، فهذا الذي يسير ويستمر في السير لا ينحرف يميناً ولا شمالاً، أما إن كان غالياً منحرفاً إلى جهة من التطرف، تطرف الارتخاء أو تطرف الغلو، فإن ذلك جدير أن يتذبذب، وكما تلاحظون إذا اختل توازن السيارة في الطريق فإنها تذهب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف لا تبقى مستقيمة، متى يكون هذا ؟ عند السرعة القصوى والاعتدال في السير وكذلك عدم الاعتدال في السير إلى الله، يورث هذا التذبذب والانفراط والاختلال في التوازن فينحرف الإنسان ، أسأل الله أن يعيذني وإياكم . أما السبب الرابع: فالتيسير، التيسير المنضبط بضوابط شرع الله عز وجل، إن هذا الدين يسر ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه، لكن إلى أي مدى يسر، يسر في حدود ما أذن به الله سبحانه وتعالى وفي حدود ما ضبطته الضوابط والقواعد الشرعية وما قرره علماء الإسلام، ليس يسر بهوى الإنسان، فيترك الصلاة ويقول يسر، يفعل المنكر ويقول يسر، ويوالي أعداء الله ويقول يسر، لا، لكن اليسر الصحيح المنضبط بضوابط الشرع، والشرع كله يسر؛ فإن ذلك يعصم من الانحراف، كذلك البعد عن التقليد الأعمى والتحزب المقيت و العصبية الجاهلية بأنواعها هذا يعصم من الانحراف؛ لأن المتعصب والمتحزب يتبع إخوانه وحزبه، يتبع قبيلته والهوى الذي انطلق منه، عند ذلك لا يثبت على المبدأ فيسير معهم حيث ما ساروا على مبدأ العرب القائل : وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد لا، الإنسان يتجرد لله عز وجل، لا بأس أن يكون مع جماعة، وأن يكون مع حزب، لا بأس أن يكون له رأي لكن لا يتعصب له تعصباً يجعله يرد الحق أو يقبل الباطل من أجل ذلك أيضاً الرجوع إلى أهل العلم والفضل والخبرة عندما لا يكون الإنسان عالماً، أما العلم فهو أقوى العواصم العاصمة من الوقوع في الانحراف، لكن حينما يكون الإنسان ليس له علم فالرجوع إلى من أمر الله بالرجوع إليهم يعصمه من ذلك، قال الله عز وجل : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل : 43] وقال سبحانه وتعالى : {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء : 83 ] وكذلك يتشاور الناس فيما بينهم البين، كما وصف الله هذه الأمة: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى : 38] حتى الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ولا يسير في طريق لا يرضي الله قال الله عز وجل له: { وشاورهم في الأمر } . ومن أسباب الثبات أن يعلم الإنسان ويكون عنده بصيرة يدرك أن الطريق ليست معبدة بالورود، وليست سهلة لكن فيها العقبات والأشواك وفيها المطبات وكل ما يؤذي، فإذا الإنسان أيقن بذلك فإنه يصبر على هذه الطريق، وتأملوا الإنسان المسافر الذي يعرف الطريق الذي يسير فيه، ويعرف ما فيه من مضايقات ومن معوقات؛ فإنه يسير وهو موقن ولا يرجع عن هذا الطريق، لكن الإنسان الذي لا يعرف الطريق، يتخبط فإذا بهذا الطريق فيه الحفر والعقبات التي لا يستطيعها؛ عند ذلك يفاجأ فتخور قواه ثم يرجع وينتكس و لا ينقص ولا يصل إلى هدفه. أيضاً الاستعداد للتضحية في سبيل هذا المبدأ الذي يحمله الإنسان، فالإنسان لا يمكن أن يؤمن بمبدأ ويعمل بكل ما في وسعه لتحقيقه ثم لا يطلب منه أن يكون لديه تضحية في سبيل هذا المبدأ ، فلابد أن يكون لديه مبدأ أنه مستعد للتضحية في سبيل ما يؤمن به، وكذلك اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى وسؤال التثبيت في الأمر؛ فإنه من أعظم العواصم أن الإنسان لا يتكل على نفسه ولا على علمه ولا قوته ولا على إرادته ولا أي شيء، وإنما يتكل على الله ويطلب منه الثبات، فهو الذي يثبِّت من شاء ويضل من يشاء ويهدي من يشاء، فنسأل الله دائماً أن يثبتنا وأن يهدينا إلى أقوم سبيل، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الحق ولا يزيغ قلوبنا.

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم