الخطب والمحاضرات

من أحكام الحدث الأكبر

2012-02-11


بسم الله الرحمن الرحيم

من أحكام الحدث الأكبر

2/ربيع الأول/1430هـ

مسجد خالد بن الوليد

 

الحمد لله الذي تنـزه عن صفات المحدثين، ونزه كتابه عن مس المحدثين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، الذي حرم المكث في المسجد على من كانوا بالأحداث الكبرى متلبسين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوصية بالتقوى:

عباد الله:

هناك مسائل يكثر حولها الجدل، والأخذ والرد يخالف فيها كثير من الناس الصواب، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43 ] قوله: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، كان ذلك قبل تحريم الخمر، بل كان من التمهيد لتحريمها، وقوله: { وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } أي لا تقربوا مواضع الصلاة في حال كونكم عابري سبيل، وهو نهي عن أن يمكث الجنب في المسجد وترخيص له بالمرور فيه بدون جلوس أو مكث.

وقد أيّد هذا الحكم حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: ( وَجِّهُوا هذه الْبُيُوتَ عن الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَصْنَعْ الْقَوْمُ شيئاً رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ فقال: وَجِّهُوا هذه الْبُيُوتَ عن الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ ولا جُنُبٍ )[1] رواه أبو داود وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم، وهو حديث حسن ليس بضعيف كما زعم البعض، والذي دل عليه الحديث والآية منع الجنب والحائض من المكث والبقاء في المسجد.

وهذا القول هو قول الأئمة الأربعة وأكثر المحققين من المجتهدين القدامى والمتأخرين، قال الإمام الشوكاني - رحمه الله - معلقاً على الحديث: ( وهو يقتضي تحريم المسجد على الجنب والحائض، ولا ينافي جواز المرور فيه لعابر السبيل وهو المجتاز فيه لحاجة كما فسر الآية جماعة من الصحابة ...الخ) السيل الجرار (1/110) وهناك أدلة أخرى تؤيد هذا الحكم.

وقال تعالى: { إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ(79) }. [الواقعة]. وهذه الآية الأصح أنها في اللوح المحفوظ في السماء الذي لا يمسه إلا الملائكة، ولكن رغم ذلك يستدل بها على منع المحدث؛ وهو الذي وجب عليه الغسل أو الوضوء صاحب الحدث الأكبر أو الأصغر فالكل ممنوعون من مس المصحف.

قال ابن تيمية في شرح العمدة: ( إنّ القرآن الذي في اللوح المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف بعينه سواء كان المحل ورقاً أو أديماً أو حجراً أو لحافاً، فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء إلا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك لأن حرمته كحرمته )[2] ... الخ كلامه.

ويؤيد ذلك الحكم ويدل عليه حديث عبدالله بن أبي بكر بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: ( أن لا يمس القرآن إلا طاهر)[3] وهو حديث حسن صالح للاحتجاج به. ويدل على أن غير الطاهر لا يمس القرآن، ويدخل في ذلك الكافر والمحدث حدثاً أكبر والمحدث حدثاً أصغر، قال الشوكاني - رحمه الله -: (حمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القوي)[4].

قال ابن تيمية - رحمه الله -: (مس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة وهو ثابت عن سلمان وسعد وغيرهم من الصحابة، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد ) مجموع الفتاوى (21/200).

وعلى هذا فلا يجوز أن يمس المصحف من هو غير متوضئ لا مباشرة ولا بقفاز ولا بغير ذلك. وإنما رخص العلماء للأطفال دون البلوغ في ذلك تشجيعاً لهم على حفظ القرآن؛ لأنهم غير مكلفين.

وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) رواه الترمذي، وقال: ( وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ من أَصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وبن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وإسحاق قالوا لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ من الْقُرْآنِ شيئاً إلا طَرَفَ الْآيَةِ وَالْحَرْفَ وَنَحْوَ ذلك وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ في التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ).

والحديث ضعفه بعضهم، وصححه ابن سيد الناس وأحمد شاكر، وقال الأرناؤوط: هو حديث حسن بشواهده. وتصحيح هؤلاء المحدثين وعمل الفقهاء به دليل على أنه في مقام الحجة.

وقال الحافظ ابن حجر في شرح حديث عائشة رضي الله عنها: ( كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن )[5]، قال ابن دقيق العيد: ( في هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، ولو كانت قراءتها جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى يحتاج إلى التنصيص عليه ).

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لّا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله:

أيها الإخوة المؤمنون:

بعض الأمم مجبولة على الخبث، مشحونة بالحقد والبغضاء وحب الإساءة إلى كل شيء وإلى كل أحد، وأشهر تلك الأمم اليهود الذين ما سلم الله تعالى منهم، ولا نبيهم موسى، ولا أحد من المرسلين، فضلاً عن غيرهم، فقد وصفوا الله تعالى بأقبح الصفات ومن ذلك قولهم: { إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ }، { وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ } أي ممسكة عن العطاء، إلى غير ذلك من الأوصاف النابئة في حق الله تعالى، وأذيتهم لرسولهم مشهورة، قال الله تعالى ناقلاً شكاية موسى منهم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [الصف: 5]، وحذر الله تعالى المؤمنين أن يؤذوا رسولهم كما آذى اليهود رسولهم فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا } [الأحزاب: 69].

وكان من أذيتهم له أنه كان حيياً لا يتعرى أمام قومه، كما كان شأنهم أنهم يغتسلون عراة أمام بعضهم البعض؛ فاتهموه بعلة في جسده برص أو أُدْرة أو عيب آخر، فأظهر الله براءته مما قالوا، وكشفه لهم على أحسن وأجمل ما يكون الرجال، والحديث في صحيح البخاري[6].

وأما غير موسى فلم يقتصروا في أذيتهم على السب والقذف بل قتلوا جماعة منهم، قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} [آل عمران: 181] وقال جل ذكره: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155]، ومن كان هذه صفته فلا يستغرب عليه أن يسب ويشتم ويقذف الأنبياء؛ لذلك جاء بعد الآية السالفة قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا(156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157) }. [النساء].

إن هؤلاء اليهود المعاصرين هم أبناء أولئك الذين وصفهم الله، وكشف عن حقيقة نفوسهم وما يحملون من مشاعر اتجاه العالم بأسره؛ فلا يستغرب اليوم أن يسبوا عيسى وأمه ويكررون قذفها بالزنى، ولكن الغريب هو أن بعض النصارى يعتبرون المسيح إلهاً مع الله، وبعضهم يعتبره ابن الله، وبعضهم يعتبره ثالث ثلاثة، ومع ذلك نجد ردة فعلهم اتجاه هذه الإساءة إلى رموز ديانتهم ضعيفة وباردة لماذا؟!.

أولاً: إنّه الكفر والإلحاد الذي أضعف حبهم لله ورسوله عيسى وأمه.

ثانياً: إنَّ الإساءة صدرت من اليهود وهم الجنس الذي وطن الغرب نفسه على قبوله وقبول جميع تصرفاته، ولو خرق جميع القوانين، وحارب الله ورسله، وفعل كل منكر متفق عليه.

إنّها مرحلة قيادة اليهود للعالم وتسلطهم عليه، وذلك مؤذِنٌ بحلول عقوبة عظمى لم يشهد لها التاريخ مثيلاً لكثرة الجرائم والظلم والفواحش التي يقود اليهود العالم لإباحتها وتقنينها، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، فالعالم ما دام راضخاً لليهود في مناهجهم وأفكارهم وسياساتهم وهيمنتهم فإنه يسير نحو الدمار والعذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، فحق على قادة المسلمين أن يعتقوا أنفسهم وشعوبهم من هذه التبعية حتى يسلموا من سوء المصير.

أيها الإخوة المؤمنون:

إنّ المسلمين قد استنكروا الإساءة إلى المسيح كما استنكروا الإساءة إلى رسولهم ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يؤمنون بالجميع، وهذا بعض جوانب خيرية هذه الأمة، إنهم شاهد عدل على جميع الأمم وأتباع جميع الأنبياء والمرسلين، والواجب أن يستمر المسلون في الدفاع عن رسولهم، وعن جميع رسل الله، وجميع الحق في أي شريعة كان قال تعالى: { آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ} [البقرة:285].

 


[1] - رواه أبو داود ج1ص60رقم 232، والبيهقي في سننه الكبرى برقم 4121 ، وابن خزيمة برقم 327.

[2] - شرح العمدة (ج1ص384).

[3] - رواه مالك (469) والبيهقي ( 1374) والحاكم في مستدركه( 1447) وابن حبان ( 6559) الدارقطني (222)وغيرهم، و قال عنه ابن عبدالبر في التمهيد (17/339): ( أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ) وصححه الألباني في صحيح الجامع (7780).

[4] - نيل الأوطار (ج2ص68).

[5]- متفق عليه، البخاري (ج1ص114 برقم293) ومسلم (ج1ص246برقم 301).

[6] - متفق عليه، البخاري (274) ومسلم (339).

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم