الخطب والمحاضرات

اغتيال الشيخ أحمد ياسين

2010-03-25


بسم الله الرحمن الرحيم

5/2/1425هـ

اغتيال الشيخ أحمد ياسين

مسجد خالد بن الوليد

 

الحمد لله الذي حفظ هذا الدين برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقطعوا كلَّ تملق بالخلق إلا تعلقاً مرضياً عنده وموصلاً إليه، وخافوه سبحانه فملأ قلوبهم أمناً وتوكلاً فما خافوا الشيطان وأولياءه، ولا سارعوا كالمنافقين فيه ولا اعتمدوا عليه، فكان وجودهم في الأمة كالروح الذي به تحيى الحياة الكريمة الواعدة بالنصر والتمكين, والبصر الذي تبصر به طريقها بين حبائل الأعداء وحبائل المنافقين, بموتهم تنقص الأرض من أطرافها، ويظهر الفساد في البر والبحر بتسلّط أرذل الناس على أشرافهم, وهؤلاء هم العلماء العاملون الذين يحفظون الدين بنقله وفهمه ونشره في العالمين، والمجاهدون الصادقون الذين بقوة عزائمهم وشجاعة قلوبهم وصدق يقينهم يصدون هجمات المعتدين وأطماع الطامعين، أولئك هم الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خذلها ولا من عاداها حتى يأتي وعد رب العالمين.

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وقدوة للعالمين، ونقمة على الجاحدين، وحجة على الخلق أجمعين, وعلى آله المطهرين من الأرجاس، وصحابته أولي الشدة والبأس، والتابعين لهم بإحسان من سائر الأقطار والأجناس, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوه حقّ تقواه.

أيّها الإخوة المؤمنون:

يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : 9] ويقول سبحانه وتعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8-9]، فالله تعالى هو منزل هذا القرآن، وشارع هذا الدين، وهو حافظه وحاميه سبحانه, وهذه الآيات تدلّ دلالة قاطعة على شدة كيد الأعداء وحرصهم وبذل كل ما يقدرون عليه لإطفاء نور الله، ومحو دينه، وطمس معالمه، ولكن الآية المقررة لذلك هي نفسها المبشرة بإبطال كيد الكافرين، وإتمام أمر هذا الدين، وإرغام كل حاسد وحاقد من المشركين.

وحَفِظَ الدين ليس بملائكة تنزل من السماء، ولا بمخلوقات غريبة تطلع من الماء، ولكنه بعباد لله صالحين، وجنود لله صادقين، وعلماء في نشره وحفظه صابرين، ونحن أولى من انتصب لحفظه، وقام بالدفاع عنه ونشره إن أردنا فلاح الدنيا والآخرة، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، غير أننا -إن شاء الله- لن نصل إلى مرحلة الاستبدال، ولن يزال فينا الخير وإن كثر فينا الشر وظهر الضلال، فنحن الأمة المعصومة، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم باستمرار الأخيار وقيامهم بما يجب من حفظ الدين والجهاد في سبيله، كما في حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرهم من خذلهم – وفي لفظ– ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) رواه مسلم[1].

نعم لا يزالون ظاهرين, وللدين ناصرين, ولعدوّهم قاهرين, وإن خذلهم قومهم, وإن خذلهم حكامهم وشعوبهم, وإن خذلتهم جيوشهم, وإن أبت أن تنقاد لهم صنوف الأسلحة التي لا تقدر بثمن مما يمتلك أنظمتهم, فيأكلها الصدأ، ويُتْلِفُها المدى, وما فتحت طلقة واحدة على العدا, إنما هي للاستعراض وللاحتفالات، أو لقهر الشعوب إن طالبوا بحق أو تمردوا على باطل.

لكن رغم ذلك كله فإنّ تلك الطائفة ما زالت كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة ظهور النجوم، شامخة شموخ الجبال، باذلة عطاءها كالبحار؛ لذا فإن الأعداء يهابونها رغم قلتها وقلة ذات يدها أكثر من هيبة أعداء من غيرها، لمعرفتهم أنه لا عدوَّ لهم إلا هي، ومن انضوى تحت لوائها، ولك أن تنظر كيف يرتجف الأعداء من أطفال وشيوخ وشباب مشردين في الجبال، ولا يخافون الجيوش الجرارة ولا الأنظمة الجبارة.

ولقد كشف لنا هذا الحادث الأثيم الغادر حادث اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين هذه الحقيقة بكل جلاء، فقد قرروا اغتياله رغم عجزه والشلل الكامل لجسده وتكالب العلل والأمراض عليه, حتى لم يبقَ يتحرك منه إلا رأسه بعين واحدة, نعم بالعين الواحدة واللسان الذي لا يكاد يبين، والقلب العامر باليقين, عدل أحمد ياسين جميع زعامات المسلمين ورجح بهم.

وهذا يذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل)[2] نعم, إن شخصية أحمد ياسين وصوته الضعيف الذي لا يكاد يُسمعُ كان خيراً من آلاف الزعامات وملايين الرجال, والواجب أن نتساءل ونبحث لِمَ ثقُلَ ميزان أحمد ياسين؟ ولم خفت موازين الآخرين؟

والجواب: إنه اليقين، إنه الصدق، إنه التوكل على الله، إنها محبة الله, إنه الذلّ للعزيز والعبودية للرب, هذا ما أثقل ميزان أحمد ياسين، وعدم ذلك أو ضعفه أذلّ الآخرين وخفف موازينهم، فليعرض كل واحد نفسه على هذا الميزان ليعرف أين هو؟ وكم وزنه وحجمه؟ وعلينا أن نقارن بين أنفسنا وبين هدا الشيخ العاجز المطارد المطلوب لأغدر شعب وأحقده.

كيف حرص -رغم ذلك كله- على أداء صلاة الفجر في جماعة في المسجد؟! هذه الصلاة التي خُتِمَ بها عملُه، ودنا بها أجلُه، فما أعظمها من موتة! وما أحسنها من خاتمة!!

فَـتىً مـاتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً = تـقومُ مَقامَ النَصرِ إِن فاتَهُ النَصرُ

به غشيَ الذلُ العدوَ وأرجفتْ = سكينتُه والأمنُ وانتشرَ الذعرُ

فلو أن من حكامِنا بضعَ عشرة = على سمعته لانجابَ وارتفعَ القهرُ

فما هو حالنا وما هو عذرنا ننام عن صلاة الفجر أو كثير منا وأكثرنا لا يصليها جماعة، ولا يشهدها في المسجد، ألا فليعتبر من أراد حسن العبودية لله، من أراد حسن الخاتمة، من أراد علوّ القدر والمنزلة عند الله، على الأمة كلها إن أرادت العز والتمكين أن تضع في صلب برنامجها وأساس عملها صلاة الفجر في جماعة.

لا يُصنع الأبطالُ إلا في مساجدنا الفساح في روضةِ القرآنِ في ظلِ الأحاديث الصحاح

 

لا يستوي في منطقِ الإيمان سكرانُ وصاح من همهُ التقوى وآخرُ همهُ كرةٌ وساح

 

شعبٌ بغير عقيدةٍ ورقٌ تَذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح

بل أعظم وأصدق من ذلك قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40-41], فيا حكام المسلمين وقادتهم اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في أممكم، إن شرعية بقائكم على عروشكم هي إقامة الصلاة، فمن لم يُقِمِ الصلاة فلا شرعية له، وإن أهم أسباب النصر لأممكم هو إقامة الصلاة، فمن لم يقم الصلاة ولم يأمر بإقامتها فلا يحلم بنصر ولا تمكين.

أيها الإخوة المؤمنون:

إنّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي خير أمة أخرجت للناس، وهذه الخيرية لم تفقد، ولن تفقدها أبداً، نعم هناك غثاء، وهناك وهن، وهناك انحراف كبير في الأمة، ولكن أصل الخيرية ما زال موجوداً مثل الجوهرة النادرة يغلفها الغبار، وربما ألقيت في القاذورات، ولكن ما إن تُغسل أو تمسح حتى تعود إلى نصاعتها وبريقها، فلا نيأس من هذه الأمة، ولا نقنط من عودتها إلى الله، ومن عودتها إلى الصدارة وقيادة الأمم إذا صلح قادتها: في فكرها، وفي سياستها، وفي إرشادها وتوجيهها, إنّ بني إسرائيل أيام فرعون كانوا أشد ذلاً وخضوعاً، وأكثر انحرافاً وفساداً من هذه الأمة، فلما صلحت قيادتها وتجاوبت مع رسوله- مع بقاء الكثير من عللها وأمراضها- اختارها الله على علم على العالمين، وأنجاها من عدوها فرعون، وأورثها أرضه ودياره وكنوزه وجناته، فليس من شرط الخيريّة أن تعصم الأمة من الذنوب والانحراف، ولكن من شرطها أن تكون خير أمة موجودة في ذلك المحيط المكاني والزمني، وأمتنا هي كذلك هذه الأيام مقارنة بأمم الأرض من حولنا, نعم إنّ أمة تنجب أطفالاً كأطفال فلسطين، ونساءً كنساء فلسطين، وشيوخاً كأحمد ياسين؛ لهي خير أمة على وجه الأرض اليوم، وما عليها إلا أن تصلح وضعها، وتعمل على إصلاح قيادتها الفكرية والسياسية حتى يقودوها إلى الفتح المبين والنصر العزيز، وذلك بتغيير ما بأنفسهم جميعاً.

وإن كانت الشعوب قد يئست من الحكام، وقد نفضت أيديها من صلاحهم إلا أن الله قادر على أن يصلح من هو أهل للصلاح منهم، ويريح الأمة ممن لا رجاء في صلاحه: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] اللّهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام المسلمين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين،والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

عباد الله:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

عباد الله:

إنّ حادث اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين رحمه الله مليء بالدروس والعبر، وعلينا أن نستفيد من دروسه وأن نعتبر بعبره: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.

عباد الله:

إنّ هذا الحادث المؤلم وتلك العملية اللئيمة الخسيسة؛ لتبرهن أنصع البراهين على خطأ من ظنّ أن في اليهود ذرة من إنسانية يمكن التعامل معها، أو أنّ لديهم مسحة من خلق أو ضمير يمكن العبور من خلاله إلى حلول ومفاوضات، وتجعل أولئك الغافلين يعودون إلى رشدهم ويصدقون موقنين كلام ربهم سبحانه حين يقول: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } [المائدة : 82], نعم إن بشاعة الجريمة وفظاعتها لتأكد ما نقول، كيف وقائدهم الأعظم ورئيسهم الأكبر وسفاحهم الأثيم يقوم بنفسه برعاية هذه الجريمة التي قلّ أن يشهد لها تاريخ الصراعات مثيلًا.

إطلاق أفتك الأسلحة على شيخ ضعيف شليل على باب المسجد وهو محاط بجميع المصلين الآمنين، لا حرمة لصلاة ولا لمسجد ولا لشيبة ومرض ولا لأبرياء، أبَعْدَ هذا كله يُطمع في سلام مع هؤلاء؟!.

الدرس الثاني: هو تذكير الغافلين وردع المعرضين المكذبين لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال : 73]، ولفت الأنظار لقوله سبحانه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران : 118], فمعظم الكفار شجبوا ونددوا، ولكن ماذا صنعوا؟ ماذا قاموا به من تحرك عملي؟ هل قطعوا علاقة بالكيان الصهيوني؟ هل أوقعوا عقوبة عليه؟ لا والله، ولا نطمع في شيء من ذلك، وأما موقف أمريكا فهو الأصرح والأظهر، إنه الكبرياء والغطرسة والاحتقار والاستهانة بدم العربي المسلم, إنّه الدليل على أن أمريكا هي العدو الأول قبل إسرائيل، فيا حكام العرب، يا حكام المسلمين، أما تعقلون؟! أما تشعرون؟! أما تستحون؟! أما عرفتم قدركم عند فرعون العصر؟! أما اتضح لكم كيف ينظر إليكم البيت الأبيض وإدارته؟! فإلى متى استمراء الذل؟! إلى متى إدمان الهوان؟! فهل تريدون أن يتمثل شعوبكم بقول المتنبي:

من يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عليهِ *** مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيْلَامُ

والله لو اجتمعت كلمتُكم وقلتموها بصوت واحد "لا لمصالح أمريكا، لا لهيمنة أمريكا"، لو قلتموها صادقين مجمعين لرضخت لكم، وكفلت دمائكم وحقوقكم عندهم، ولكن أبيتم إلا الهوان: {وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ}، قولوها صريحة، وموتوا موتة الشهداء، موتوا كما مات أحمد ياسين، ولا تجبنوا وترضخوا فيُقْبَضَ عليكم حين يَكِلُكُم الله إلى أنفسكم كما قُبِض على صدام وتهانوا كما أُهين.

عباد الله:

إنّ موت الشيخ المجاهد أحمد ياسين -رحمه الله- ليؤكد لنا ما نعرفه من كتاب ربّنا سبحانه؛ من أن الأمة لا يجوز أن تعلّق مصيرها، وأن تربط قضاياها بأشخاص ولا بفئات معينة؛ لأن ضرر ذلك على الأمة كبير؛ إذ بموتهم تموت الآمال، وبفقدهم تتحطم الهمم، وبانحراف من انحرف منهم يحكم على القضايا من أصلها بالانحراف؛ لذلك نهى الله تعالى أن نربط جهادنا في سبيله ونصرنا لدينه بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144], ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مات دينه؛ بل خلفه من حفظه والجهاد في سبيله رجال أوصلوه إلى أطراف الأرض، وهكذا تعاقبَ على حمل رايته وتكفل بحمايته رؤوس الطائفة المنصورة في كل قرن حتى وصل إلينا، وسوف يبعث الله منّا وممن بعدنا من يواصل المسيرة.

فلنعلِّق آمالنا بالله عز وجل، ونكل أمورنا إليه، ونعمل ما بوسعنا غير متأثرين بمن مات أو قتل حتى يعليَ الله كلمته وينصر دينه: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم 4-5].

 

 

[1] - رواه مسلم ج1ص137رقم156.

[2] - أخرجه الحاكم وغيره وصححه الألباني في صحيح الجامع (3800).

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم