الخطب والمحاضرات

الزواج المبكر

2010-03-21


بسم الله الرحمن الرحيم

الزواج المبكر

الحمد والثناء والوصية بالتقوى.

عباد الله:

سبق أن تكلمت في خطبة سابقة عن الجدل الدائر حول الزواج المبكر، وبينت أنه لا يجوز تحديد سن لا يجوز الزواج قبله؛ لأن ذلك مخالف للشرع، مخالف للمصلحة، مخالف لأهداف الزواج في الإسلام التي من أهمها إحصان الأمة المسلمة رجالاً ونساءً، وسد أبواب الفاحشة، وكذلك من أهداف الزواج في الإسلام تكثير الأمة المحمدية كما حث على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله: ( تزوجوا الولود الودود فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)[1].

والزواج المبكر يساعد على تحقيق هذين الهدفين، وتأخير الزواج قد يفوتهما، فقد يقع الشاب أو الشابة في حال تأخر الزواج في الفاحشة لكثرة دواعيها هذه الأيام، كما أن تأخر سن الزواج من الوسائل لتحديد النسل الذي يناقض أهداف الزواج في الإسلام.

واليوم أكررُ الحديث عن هذا الموضوع لاستمرار الجدل والحديث عنه بشكل كبير وبأساليب -لبعض المتحدثين- خارجة عن الأدب واللياقة، بل عن العقل وعن الجدل بالتي هي أحسن. أجدني مضطراً للحديث عن ما يسمى بـ(الزواج المبكر) لاستمرار الحديث والجدل حوله؛ لأنّ من لا يستطيع أن يصل إلى هدفه إلا بالهمز والظن والسخرية والاستهزاء بمن يخالفه، وهذا الهزء والسخرية مناقضة لأخلاق الإسلام، بل لأخلاق كل إنسان مستقيم على الفطرة، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

بل إن الاستهزاء في بعض الأحيان قد يصل بصاحبه إلى الكفر، كما قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] وهذا الاستهزاء والسخرية بالمخالفين ظهر على عدة أشكال: فهناك مقالات صحفية، وبرامج إذاعية وتلفزيونية، وهناك مسرحيات وتمثيليات، وهناك كاريكاتير في صحف أو منشورات أو ملصقات، كلها بأساليب ساخرة، مستهزئين بمن يعارضون فكرة تأخير سن الزواج، وهذا الأسلوب لا ولن يفلح في إصلاح الوضع، وإقناع المخالف، بل سوف يزيده إصراراً على رأيه وتمسكاً به، وقد يورث ردود فعل معاكسة تترتب عليها فتن ومفاسد كثيرة.

وقد وصل الحال ببعضهم أن وصف المعارضين لتحديد سن الزواج بأنهم خوارج، وأنهم متشددون وإرهابيون، وهذا من جهله الشنيع أو عناده الشديد؛ لأن الذين حكموا بعدم تحديد سن الزواج ليسوا دعاةَ وعلماء اليوم، ولكنهم الصحابة والتابعون والأئمة وعلماء الأمة جيلاً بعد جيل حتى هذا اليوم، قال الإمام العلامة ابن بطال: ( أجمع العلماء أنه يجوز للآباء تزويج بناتهم وإن كنّ في المهد، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن في ذلك تختلف على قدر خلقهن وطاقتهن )، ونقل مثل هذا الإجماع النووي([2]) وابن قدامة ([3]) وابن عبد البر([4]) وغيرهم ([5]).

فهل جميع هؤلاء العلماء خوارج؟! أم أن الخارجي هو الذي خرج عن إجماع الأمة واتبع أعداء الله؟!! لا شك أن الخارجي هو من اتبع أعداء الله، وخالف إجماع علماء المسلمين، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

ووصل ببعضهم الجهل القبيح والتعالم الفاضح أن اعتبر القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بعائشة وهي بنت تسع سنين أن ذلك سبةً وخزياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب علينا أن ننـزهه عن ذلك، نعم إنه قلب للمفاهيم، وانعكاس للفطرة، وطمس للبصيرة، أن يجعل أمر ثبت فعله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري[6]، ولم يخالف فيه أحد من علماء المسلمين المعتبرين، واعتبره العلماء من محاسن التشريع، ومكارم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، أن يجعل ذلك سوءة وعاراً يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عنه، لماذا؟!

لأن الكفرة والفجار أصل الفحش والرذيلة، الغارقين في الدعارة، المقرين لحمل مئات الآلاف من البنات العاهرات من الزنا ومعاشرة الأخدان وهن صغار؛ لأن هؤلاء استحسنوا زنا الصغيرات واستقبحوا زواجهن، ثم يأتي من يتظاهر بالغَيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصدق هؤلاء ويكذب صحيح البخاري وإجماع المسلمين، أي انحراف هذا الذي يروِّج له هؤلاء الناس؟!

عباد الله:

إنّ زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في ذلك السنّ من أعظم حِكم الله تعالى، ومن أجلّ تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم عقد عليها وعمرها ست سنوات، ودخل بها وقد بلغت تسع سنوات، وتوفي عنها وعمرها ثمانية عشر عاماً. ومكثت معه تسع سنوات، ولو أن صلى الله عليه وسلم جاء على مزاج هؤلاء الكتاب، وأخر الزواج بعائشة إلى سن ثمانية عشر سنة فكم ستكون الخسارة؟!.

إننا سنخسر امرأة وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، سنخسر امرأةً عالمة فقيهة محدثة روت لنا أدق التفاصيل عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وشاركت مشاركة عظيمة في نقل سنته العامة، وهي من أكثر الصحابيات رواية للحديث، إذن أليس زواجُ النبي صلى الله عليه وسلم بها في ذلك السن كان لحكم عظيمة؟! وكان مفخرةً له ولها، ومنفعةً للدين والمؤمنين إلى يوم القيامة، فكيف يقال يجب أن ننزهه عن ذلك؟! أليس هو الانبهار بكلام الكفار والشك فيما عليه المسلمون؟!

عباد الله:

إنّ مجاراة أعداء الله في نظمهم وقوانينهم وتعريفهم لبعض الحالات التي تترتب عليها أحكام شرعية؛ جرم عظيم، وجناية على الدين وعلى الأمة جسيمة، وهو الأساس الذي ينبني عليه أخطاء ومخالفات أخرى كبيرة وخطيرة.

وفي موضوعنا الخطأ الفاحش الذي اعتبر قاعدة بنيت عليها مخالفات وما زالت تبنى عليها المخالفات حاضراً، وستبنى مستقبلاً، ذلك الخطأ هو اعتبار سن البلوغ ثمانية عشر عاماً. مع أنّ علماء المسلمين قد جعلوا للبلوغ عدة علامات، كثيرٌ منها لا يحدد بسن معين:وهي إنزال المني، ونبات الشعر الخشن حول الفرج، وبلوغ الخمسة عشر سنة، وهذه العلامات الثلاث يشترك فيها الرجال والنساء، وهناك علامتان تخصان النساء، وهما الحيض والحمل. وهذه العلامات أكثرها يقع عند كثير من الرجال والنساء قبل سن الخامسة عشرة، بل إن كثيراً من النساء تحيض لتسع سنين أو لعشر، وفي كثير من الأحيان لإحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة، وهي بذلك تكون بالغة.

يقول باحث فلسطيني وهو أستاذ مشارك في جامعة القدس: ( وأما تسمية من تتزوج قبل الثامنة عشرة بأنه زواج مبكر فهو لا يستند إلى قاعدة علمية أو قاعدة شرعية، فأمر الزواج مربوط بالبلوغ، والبلوغ عند الفتاة هي الفترة الزمنية التي تتحول فيها الفتاة من طفلة إلى بالغة، وخلال هذه الفترة تحدث تغيرات فسيولوجية وسيكولوجية عديدة، والبلوغ ليس بحدث طارئ وإنما هو فترة من الزمان تتراوح ما بين سنتين وست سنين، ويرتبط بعوامل جينية أي وراثية، وعوامل معيشية وصحية، وفي آخر هذه الفترة يحدث الحيض وعندها تصبح الفتاة بالغة.

وأما سن البلوغ فيتراوح ما بين 9-16 سنة، وفي بلادنا ما بين 11-12 سنة حسب دارسة علمية صادرة من الجامعة الأردنية ). انتهى كلامه.

وإذا كانت المرأة قد أصبحت بالغة وعمرها إحدى عشرة سنة أو اثنا عشرة سنة فإن إلزامها بتأخير الزواج إلى ثماني عشرة سنة هو انتقاص لأهليتها، وحجر لها في حريتها، وهذا خلاف ما ينادي به دعاة تحرير المرأة، إذن فهم متناقضون؛ لأنهم يتبعون الهوى وليس المصلحة الحقيقية.

عباد الله:

ولقد تبارى دعاة تأخير سن الزواج في تعداد الأضرار التي تترتب على الزواج المبكر، وبالغوا فيها وضخموها، وكأن هذا الشيء بدعة حدثت قبل عشر أو عشرين سنة. وهذه مغالطة كبيرة في الزواج المبكر، جاء منذ أن خلق الله بني آدم ولم يتحدث الأطباء والمؤرخون والباحثون الاجتماعيون ولا غيرهم عن هذه الأضرار ولم يعيروها أي اهتمام، فلماذا قفزت هذه القفزة في هذه السنوات القليلة؟ إنها مجرد دعايات خالية من البراهين، نعم لا يخلو الزواج المبكر من أضرار، كما لا يخلو الزواج المتأخر من أضرار، ولكنها طبيعية لا تغير من حكمه، ولا تمنع منه. فإياكم معشر المؤمنين تصديق هذا الهراء الذي يوظف لأغراض مشبوهة.

ثم أليس من التناقض العجيب أن هذه المنظمات النسوية والحقوقية تشكو وبمرارة من تزايد نسب العنوسة لدى النساء وهو تشجيع على الزواج المبكر؟ أليس هذا التناقض دليلاً على أن هؤلاء الناس وتلك المنظمات تقول ما يقوله لها أسيادها من مفسدي الغرب وأعداء الأمة الإسلامية دون وعي؟!

ألا فليتّق الله أولئك الناس، وليكن انتماؤهم لدينهم وأمتهم وأوطانهم ويتركوا الانتماء والولاء لأعدائهم؛ لأن ذلك منافٍ للدين، ومنافٍ للهوية العربية والإسلامية، وللمصلحة العليا للأوطان والشعوب، ولن يفلح قوم هذا مبدأهم وهذا شعارهم، قال تعالى محذراً من الانصياع إلى أعداء الله وأتباعهم فيما يريدون وطاعتهم فيما يأمرون به: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ(25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ(26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ(27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد].

عباد الله:

إنني أقول ما سمعتم، ولست من دعاة الزواج لعشر سنين أو اثني عشرة سنة أو نحو ذلك، لكنني أدعو أن يُترك للناس تقدير مصالحهم ومصالح أولادهم، ولا يلزمون بشيء قد يخالف تلك المصالح ويضطرهم للوقوع في مفاسد أو مغالطات، إنّ الناس بشكل عام هذه الأيام تميل إلى تأخير الزواج لأسباب مختلفة فدعوهم وشأنهم، ولا تحرموا عليهم ما أحل الله إرضاء لأعداء الله {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}.

 

الخطبة الثانية

الحمد والثناء، والوصية بالتقوى.

عباد الله:

إنّ تجدد الأحداث المؤسفة التي وقعت الأسبوع الماضي، وبالشكل الذي وقعت به، وسن القائمين بالتفجير، ونوعية المستهدفين، كل ذلك يجعلنا ندرس الأمر بجدية، ونعرف واجبنا نحوه، ونقوم بذلك الواجب على الوجه الصحيح.

أما الشكل الذي وقع به حادثاً شبام وصنعاء وهو التفجير الانتحاري، فإنه يؤكد أنّ من قام بهما يحمل عقيدة قوية وراسخة في صحة ذلك العمل، وأن الأجر عليه عظيم، إنه الشهادة والجنة والحور العين، فلو كان الشاب لا يحمل تلك العقيدة لما أقدم على تفجير نفسه بحيث يمزق جسده وتتناثر أشلاءه بفعل نفسه، ولا يلزم أن تكون تلك العقيدة صحيحة بل هي باطلة قطعاً.

ولكن أصحاب العقائد الباطلة إذا ترسخت قناعاتهم بها فإنهم يضحون من أجلها كما يضحي أصحاب العقائد الصحيحة، إذن فالعبرة بالقناعة واليقين بتلك القناعة، وليس بكون العقيدة في ذاتها صحيحة أو باطلة.

وقد اتفق العلماء والعقلاء على بطلان عقيدة الخوارج، ومع ذلك فقد اتفق المؤرخون على أن تضحية الخوارج من أجل عقيدتهم الباطلة قلَّ أن تجد لها مثيلاً.

وهؤلاء الشباب الذين يسيرون على منهج الإرهاب واستحلال الدماء بدون ضوابط شرعية والحكم على الآخرين بالكفر والردة هم على منهج الخوارج، وإن اختلفوا في بعض الجوانب، وإن سموا أعمالهم جهاداً.

وأما سنّ القائمين بالعمليتين فلنا عنده وقفات:

الوقفة الأولى: أنّ القادة والكبار منهم لم يكونوا على نفس القناعة التي وصل إليها الصغار، ولو كانوا كذلك لما تأخروا وقدموا أولئك الصغار للشهادة والجنة حسب زعمهم.

الوقفة الثانية: أنّ الفئة المستهدفة والمفضلة للاستقطاب هي فئة الشباب الصغار قليلة العلم والخبرة، فهؤلاء هم دائماً بضاعة دعاة الفتن ومروِّجي البدع المضلة، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بأنهم: ( حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم )[7].

الوقفة الثالثة: ما دام أنّ الفئة المستهدفة هم الشباب الأغرار؛ فإن ذلك يلزم كل حريص على سلامة الجيل من هذه الانحرافات أن يقوم بدوره على أكمل وجه في إطار هذه الفئة، فالدولة والحكومة متمثلة بوزارة الأوقاف والإرشاد، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة الإعلام، ووزارة الثقافة تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية وذلك في اتجاهين:

الاتجاه الأول: إزالة ما يثير الشباب وما يستفزهم ويملأ صدورهم بالسخط على هذه الأجهزة، ثم على هذه الدولة نفسها والحكم عليهم بالردة والكفر وجواز الخروج عليها ومحاربتها.

فيجب أن تطهر أنشطة وفعاليات هذه الأجهزة من كل ما يسخط الله -وهو كثير- فالمجون بشتى صوره، والخطاب المنحرف لدى بعض الإعلاميين، والحفلات والرحلات المختلفة بين الشباب والشابات، كل ذلك مما يهيِّج الشباب ويدفعهم لاستخدام العنف لإزالة تلك المنكرات أو الحكم على من يقوم بها بالكفر ثم استباحة دمه، أو عمل الحوادث التخريبية المتنوعة للضغط على الدولة حيث لا يجدي في نظرهم غير العنف.

أما الاتجاه الثاني: فهو أن نجعل هذه الأجهزة كلها منابر إصلاح وإرشاد وتوجيه ودعوة لله عز وجل، فإنه لا صلاح لهذه الأمة إلا بعودتها إلى الله سبحانه: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} فلذلك عليها أن تخاطب الشعوب عموماً وهذه الفئة منه خصوصاً خطاباً ناصحاً حكيماً ينبعث منه المحبة والشفقة لا البغض والاستعلاء أو الاحتقار لتلك الفئة، فالاحتقار والاستهزاء والسخرية يولِّدُ ردود فعل عنيفة، ويدفع إلى الإعراض بل الانتقام من المستهزئ والمحتقر؛ لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)[8] رواه مسلم.

وكذلك بقية أجهزة الدولة من الأمن والقضاء وأجهزة مكافحة الفساد، عليهم أن يسهموا إسهاماً فاعلاً في معالجة هذا الانحراف، وذلك في اتجاهين كذلك:

الأول: إصلاح هذه الأجهزة إصلاحاً حقيقياً، وإزالة جميع أنواع التشوهات التي تحيط بها، ومحاسبة المفسدين من منتسبيها، وإزالة من لا يمكن إصلاحه، والعودة الصادقة إلى تحكيم الشرع الحنيف، ونبذ كل ما يخالفه من تشريعات وممارسات؛ لأن من أكبر أسباب الفتنة والاقتتال الداخلي بين المسلمين ترك الحكم بما أنزل الله قال صلى الله عليه وسلم: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)[9] ، وأن يكون ذلك على الجميع دون تتميز كما قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)[10].

وهناك واجب على العلماء وقد تحدثت عنه كثيراً، وكذلك على الأسرة وأهم واجباتها الحفاظ على أبنائها من مخالطة الغلاة والمنحرفين عن وسطية الإسلام، وربط هؤلاء الأبناء بأهل العلم والفضل ومن عرف عنهم الاستقامة وحسن المنهج.

وعلى الأسرة كذلك مراقبة أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالشباب، وكذلك الجوالات وما يخزن فيها حتى لا يحملوا السموم القاتلة فتمزق عقولهم وقلوبهم وأهلهم يتفرجون عليهم، وعلى المجتمع جميعاً أن يحيي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطهير البلاد من الأمراض الاجتماعية والمعاصي المنتشرة التي هي من أهم أسباب الانحراف الفكري، ومما يجلب سخط الله ونقمته ويذيق الأمم بأسها بأيديها، قال تعالى: {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65].

 


[1] - رواه النسائي وغيره بلفظ: ( تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ. الْأُمَمَ يوم الْقِيَامَةِ ) وصححه الألباني في النسائي (3227)، وفي إرواء الغليل (ج6رقم 1784).

[2] شرح النووي على صحيح مسلم 9 / 206 .
[3]الشرح الكبير 1/645 .
[4] الاستذكار 5/ 400 .

[5] كابن المنذر في كتاب الإجماع ( 1/74)، والمهلب ابن أبي صفرة رحمه الله فتح الباري ( 9/190).

[6]- رواه البخاري (3681) ومسلم ( 1422)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (3/131) عن هذا: ( مالا خلاف فيه بين الناس وقد ثبت في الصحاح وغيرها ).

[7] - رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (8052).

[8] - رواه مسلم (ج4ص1986رقم 2564).

[9] - رواه ابن ماجه والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع (7978).

[10] - متفق عليه، البخاري (3288) ومسلم (1688).

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم