الخطب والمحاضرات

وأصلحوا ذات بينكم

2010-03-10


( وأصلحوا ذات بينكم )

6 ربيع الآخر عام 1432هـ

مسجد خالد بن الوليد

الحمد لله الذي أمر بالا صلاح ودعا إليه، وحذر من التنازع والعواقب المترتبة عليه، ورغب في الإذعان للحق والانقياد، وزجر عن الإصرار على الباطل والعناد، والصلاة والسلام على من أرسى أسس الحوار، وعمق معنى التسامح و الإعذار، فقال موجها رسوليه إلى اليمن: (بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله:

أما بعد:

فأوصيكم عباد لله ونفسي بتقوى الله.

عباد لله :

بَدر من بعض الصحابة نزاع في تقسيم غنائم بدر، فأنزل الله على رسوله هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }.أمرهم بتقوى الله، وإصلاح ذات بينهم، وطاعة الله ورسوله، فهي علاج تلك البادرة، والمخرج من تلك النازلة، ومن هنا فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية إصلاح ذات البين، فقال: ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟ قالوا: بلى ، قال : صلاح ذات البين فان فسد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) رواه الترمذي وغيره.

وبقدر أهمية إصلاح ذات البين، وعظم أثرها الايجابي على المسلمين، بقدر قبح شؤم التنازع والاختلاف وفساد ذات البين وأثرها السيئ على مجتمع المسلمين؛ ولذا وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بالحالقة التي تحلق الدين، أي التي تستأصله من أصوله، كما يستأصل الحلاق الشعر من جذوره؛ لأنه في ظل العداوات والبغضاء والنزاع تتحطم القيم، ويموت الضمير، ويحضر الشيطان؛ فيغري بكل سوء مما يفسد الدين والدنيا معاً.

لهذا نهانا الله تعالى عن التنازع، وبيّن نتائجه وثماره، فقال تعالى: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) كما نهى عن النزاع وبيّن عاقبته، وهي الفشل وذهاب الريح أي الضعف وذهاب القوة .

وقد ضرب الله لنا مثالاً عملياً واقعياً على خطورة الاختلاف والتنازع وآثاره المدمرة، قال تعالى: مخاطباً الصحابة رضي الله عنهم بعد ما جرى عليهم في معركة أحد، بعد أن تنزل النصر عليهم في البداية، ثم حصل الاختلاف بينهم والتنازع والمعصية؛ فانقلب الوضع، وانعكست النتيجة وتحول النصر إلى خسارة وقتل وجراح وألم، قال تعالى {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

نعم هذه نتائج اختلاف يسير، ونزاع عابر، لم يلبث الصحابة أن تداركوه وتابوا منه، فكيف تكون نتائج النزاع المستمر والصراع المتصاعد وركوب كل فريق رأسه، وعدم الإصغاء للناصحين والمصلحين؟، كيف تكون نتائج الإعجاب بالنفس والرأي وإتباع الهوى والعصبية الجاهلية وتقديم المصالح الضيقة على المصالح العليا؟ لاشك أنها ستكون نتائج كارثية مدمرة ومهلكة للحرث والنسل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث مهلكات : شح مطاع و هوى متبع وإعجاب المرء بنفسه . ) رواه الطبراني في الأوسط وهو حديث حسن . وهذه الثلاث كلها حاضرة اليوم، فالشح المطاع هو الشح بالحقوق، وعدم إعطائها مستحقيها، والهوى المتبع ظاهر في سياسات وتصرفات الأطراف المختلفة، ومثله الإعجاب بالرأي. إذن فأسباب الهلاك قائمة، ونذر الفتنة ماثلة للعيان، والمخلصون المحبون لهذا الوطن وأهله الغيورون عليه، يضعون أيديهم على قلوبهم تخوفاً من القادم المجهول، الذي إن حصل لن يبقي زرعاً ولا ضرعاً أجارنا الله من الشر .

عباد الله:

إنني أناشد الحكمة اليمانية ورقة القلوب، والفقه اليماني، إن بقي من ذلك شيء لدى أطرافنا المتنازعة، أناشد تلك الخصائص، وأناشد العقول والضمائر، أن يحتكم الجميع إلى شرع الله، وان يحكموا العقل.

فالمجال اليوم لا يزال مفتوحاً، وإمكانية الحوار والتفاهم مازالت متوفرة، ولكنها تحتاج إلى إرادة، و تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة ليست دائماً الصمود في وجه الخصوم، ولكنها أحياناً في المبادرة إلى الحل، وفي استخدام العقل في تقدير المصالح والمفاسد العامة.

إن الشجاعة كل الشجاعة هي اتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب، الذي يرفع الله به صاحبه، ويسجله التاريخ بأحرف من نور.

الشجاعة الحقة هي الانتصار على النفس، وعلى الأنانية والمصالح الضيقة، الشجاعة الحقة هي تفويت الفرصة على المتربصين بالعباد والبلاد، وهذه الشجاعة مطلوبة من جميع الأطراف، من كل من يريد الرضا من الله والذكر الحسن عند الناس

فرفع لنفسك بعد موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثاني

وقد قال النبي صلى الله علية وسلم: ( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه.

ويقول المتنبي :

الرأي قبل شجاعة الشجعان *** هي أول وهي المقام الثاني

إن كنا قد تأثرنا بثورة مصر وتونس ونتائجها الباهرة، وحدانا الأمل أن نحقق ما حققه إخواننا هناك، فإنه لا يجوز أن يغيب عنا المشهد الليبي، ويجب أن نخشى أن تعصف بنا عواصف مثل عواصفها أو أشد، ولا أتصور مخلصاً شريفاً محباً لهذا الوطن يرغب في ذلك، لا في سلطة ولا في معارضة ولا في أوساط الشعب اليمني الأبي؛ لذلك لا بد من تنازلات، وتنازلات مؤلمة وجريئة وقاسية على النفوس، حتى تصل بأمتنا وبلادنا إلى بر الأمان، تنازلات من جميع الأطراف، ولن نصل إلى كلمة سواء إلا بتنازلات من جميع الأطراف، ولا يغتر أحدٌ بقوته ولا بكثرة أنصاره، فإنه وإن مكّنه ذلك من الانتصار على خصمه، فلن يمكنه من الانتصار على العواقب الأليمة التي تترتب على ذلك، وخذوا هذا النموذج من موقف الصحابة رضي الله عنهم، في وضع يشبه إلى حد كبير وضعنا، وكيف حسبوا العواقب فحازوا شرف

الدنيا و الآخرة وأنقذوا أمة محمد من نهاية مروعة.

يقول الحسن البصري رحمه الله : (استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية – وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما، وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: ((إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) والقصة بطولها في البخاري.

وهذا يدل على الرضا التام من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل الحسن، وكما أنه محمود شرعاً، فإنه كذلك ممدوح عقلاً، ولذا عده العلماء والمؤرخون من أعظم مناقب الحسن.

وإن كان بعض من حوله لم يرضَ بذلك، غير أنه كان لا يأبه بهم بل يرد عليهم ويبين لهم سبب تصرفه ذلك، روى الحاكم أن رجلاُ قال للحسن: ( السلام عليكم يا مسود وجوه المؤمنين، فقال : لا تقل هذا وذكر كلاماً يعتذر به ، وقال آخر ( يا مذل المؤمنين : فقال : لا ولكن كرهت أن أقتلكم على الملك )

فلن يخلو أصحاب القرار عند اتخاذ المواقف ممن يلومونهم عليها من بطانة السوء، ومن المستشارين الغششة، الذين يرون مصالح أنفسهم ولا ينظرون مصالح الأمة، ولكن عليهم أن يتجاوزوا ذلك وينظروا إلى موقفهم بين يدي الله، وموقفهم في صفحات التاريخ،والنداء موجه للجميع، فا الله الله في اليمن، الله الله في هذا الشعب الطيب الكريم، الله الله في الأمن والاستقرار، واحذروا جميع نزوات الأهواء ومشورة الحاقدين والأنانيين ومن يتربصون بالجميع الدوائر، ولا أجد ما أختم به خير مما قاله مؤمن آل فرعون: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.

وأقول للجميع إياكم، إياكم والتصعيد، إياكم والاستفزاز، إياكم واللسان المؤلب؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في الفتنة يكون وقع اللسان أشد من وقع السيف،فليتق الله من يثير ولا يسكن، ومن يؤلب ولا يهدئ،ومن يفرق و لا يجمع، فعلينا جميعاً أن نتقي الله في أنفسنا، نتقي الله في أولادنا، نتق الله في مستقبلنا، نتقي الله في أمننا واستقرارنا، وسيصلح الله إذا علم منا إرادة الإصلاح.

ولا يفوتني أن ألفت النظر إلى الوضع المأساوي الذي يمر به الشعب الليبي، وأطالب الأنظمة العربية أن تقف الموقف المشرف الذي يليق بها في مساندة الشعب، واستنكار ما يقوم به الطاغية القذافي تجاهه، والعمل الجاد والسريع على إيقاف القذافي عند حده وإنقاذ الشعب الليبي من بطشه، وأن يكون قرار العرب صادراً من ذاتهم لا من إملاء أحد عليهم، بل لا يجوز أن تسبقهم الأمم الأخرى إلى ذلك، كما أهيب بالشعوب العربية والإسلامية أن تقف إلى جانب إخوانهم بما يقدرون علية ولو بالدعاء والله المستعان .

الخطبة الثانية

1-الحمد والثناء والوصية بالتقوى

أما بعد عباد الله:.

في خضم الموجة العارمة من الاحتجاجات المتمثلة في الإعتصامات والمظاهرات ونحوها، زُجَّ طلابنا بأنفسهم أو زج بهم في ذلك التيار المتلاطم، ووجدوا أنفسهم بين أمواجه العاتية؛ فهجروا صفوف الدراسة، وودّعوا الكتب، وجابوا الشوارع، وصدرت من بعضهم ألفاظ وأفعال غير لائقة، وتعدَّوا على بعض زملائهم؛ فأخرجوهم من صفوفهم قهراً، وياليت الأمر اقتصر على مدارس الأبناء، بل تعداه إلى بعض مدارس البنات، واستجاب لهم بعض الطالبات، وخرجن في مسيرة اعتبرت أمراً لافتاً وتصرفاً غير مقبول في هذه المحافظة العريقة الحريصة على الحشمة والفضيلة وبُعد النساء عن مواطن الشبهات .

مما أثار استياءً كبيراً لدى عقلاء المحافظة من أسر وتربويين وسائر شرائح المجتمع .

وربما دعا بعض الآباء والأمهات على من زَج بأولادهم في تلك المعامع التي لن يجنوا منها سوى التعب والأذى وإهدار الوقت وإضاعة الدراسة وتعطيل استكمال المقررات الدراسية، وكل عاقل مدرك يعلم أن ذلك ضربة للتعليم، وخطوة متقدمة نحو إضعافه، وزيادة في تعثره الملموس أصلاً من قبل .

ونحن لاننكر أن للطلاب مطالب مشروعة، لا حرج في المطالبة بها، ولهم وجهات نظر لابأس من التعبير عنها، غير أن ذلك يجب أن يبقى في إطاره المحدد، وأن لا يتجاوز ذلك الإطار، وأن لا ينعكس على العملية التعليمية برمتها؛ ولذا فإنني أتوجه بأربع رسائل: الأولى أتوجه بها إلى الطلاب فأقول:

يا أبنائي ياعمادَ الأمة ومصدرَ الأمل وقوامَ المستقبل وعدته:

والله إني أحبكم وأحب لكم الخير، وكل مخلص في هذه البلاد يحبكم ويحرص على مصالحكم، ويتألم لتدهور التعليم وتعثره وعدم الجدية في إصلاحه، ولكن سبيل إصلاح التعليم وتوفير مطالبكم الصحيحة ليس بالشكل الذي تسيرون عليه، ليس بتعطيل المدارس، ليس بهجر الصفوف، ليس برمي الكتب، ليس بالتطاول على معلميكم والقائمين على تربيتكم، ليس بإجبار من لم يقتنع بطريقتكم، ليس بالتخريب والتحريق، اعقلوا يا أبنائي، عودوا إلى مدارسكم واصلوا تحصيلكم العلمي، وفي نفس الوقت لا بأس أن تحصروا مطالبكم، وتحددوا النواقص التي تشتكون منها، وتقدموها بأسلوب راق حضاري إلى من لديه القدرة على تلبية تلك المطالب، وإن احتيج إلى وقفة في اعتصام أو مسيرة لابد منها فليكن، ولكن في غير وقت الدراسة، وفي حدود الأدب والأخلاق والقيم، فبأخلاقكم وحسن معاملتكم، وبوضوح مطالبكم وأهميتها تستطيعون استخراجَ حقوقكم كاملة، وإن احتاج الأمر إلى شيء من الصبر والتحمل، واسمعوا إلى لقمان وهو يعظ ابنه فيقول: (( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ٍوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )).

الرسالة الثانية:

إلى القائمين على التعليم أيها الأساتذة الكرام يا من أؤتمنتم على أعظم أمانة وتحملتم أخطر مسؤلية.

أرأيت أعظم أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفساً وعقولاً

يا من فزتم بهذا الشرف العظيم شرف التربية والتعليم انه بمقدار الشرف الذي حظيتم به تعظم المسئولية ويتضاعف التكليف. فعليكم أن تضاعفوا الجهود وتجردوا الهمم وتتحلوا بالإخلاص التام لأبنائكم الطلاب. وأن تكونوا قدوة صالحة لهم في المظهر والمخبر في العلم والخلق فإن تأثير الخلق والسلوك وحسن المعاملة على الطلاب أعظم من كثرة المعلومات وجودة الأداء فكيف إذا جمع المعلم ذلك كله.

ربّوا على الإنصاف فتيان الحمى تجدوهمُ كهف الحقوق كهولا

فهو الذي يبني الطباع قويمة وهو الذي يبني النفوس عدولا

ويقيم منطق كل أعوج منطق ويريه رأياً في الأمور أصيلا

وإذا المعلم لم يكن عدلا مشى روح العدالة في الشباب ضئيلا

وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة جاءت على يده البصائر حولا

 

وإن من أعظم ما أنتم مكلفون بغرسه في نفوس الطلاب حب العلم، ويقظة الضمير وخوف الله ومراقبته، وحب هذه الأرض التي ولد على ترابها وعاش وترعرع في أحضانها، والحرص على المصالح العليا، وطلب معالي الأمور والبعد عن سفاسفها.

فإذا ربيتموهم على ذلك فثقوا أنكم سوف تملكون قلوبهم، وتسيطرون على نفوسهم، وتتحكمون في توجيههم، ويكونون أطوع لكم من البنان وأتبع من الظل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان

الرسالة الثالثة : إلى الأسرة :

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (والرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ) متفق عليه.

وإذا كان الأمر كذلك فدوركم كبير، ومسؤليتكم عظيمة تجاه أولادكم، ولن تستطيع المدرسة أن تقوم بواجبها نحوهم إن لم تساعدوها عليهم، خاصة أيام الفتن والاضطرابات؛ فإن الدواعي قوية ووسائل الإغراء متوفرة، وعصابات الفساد منتشرة، والذين يصطادون في الماء العكر مدوا شباكهم لكل غافل ليصبح فريسة لهم، فعليكم أعظم المسئولية في المراقبة ومعرفة خطوات أولادكم وتحركاتهم، وعليكم توجيههم لما فيه خيرهم وتحذيرهم عن كل ما يضرهم أو يجعلهم وسيلة ضرر للآخرين، وإياكم والتخلي عن مسؤولياتكم والغفلة عن فلذات أكبادكم، لا يكن أولادكم أيتاماً وأنتم أحياء:

ليس اليتيم من انتهى أبواه عن هم الحياة وخلفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الذي كانتا له أماً تخلت أو أباً مشغولاً

الرسالة الرابعة إلى السلطة:

نعم إلى السلطة المحلية والسلطة العليا فأقول: إن السلطة بجميع مراتبها هي المسئول الأول عن كل ما يجري في البلاد من جميع الجوانب، وهناك من هو مسئول عن بعض ذلك، ولكن المسئول الأول هو السلطة؛ لأن بيدها الإمكانيات والمقدرات التي لم تحاول أن توجهها وجهتها الصحيحة؛ فظهر الفساد وقل الإصلاح وأحبط الناس.

لقد أضاعت السلطة فرصاً كبيرة وكثيرة، لو استغلتها ما وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن، ولا تزال هناك فرص أرجو أن لا تضيع.

ودعُونا في موضوعنا دعونا مع أبنائنا الطلاب ومطالبهم، وأوجه الخطاب إلى السلطة المحلية:

إن مطالب طلابنا ميسورة وليست تعجيزية، إن مطالبهم تنبع من معاناتهم في مدارسهم ومرافقهم التربوية والتعليمية: إصلاح بعض المرافق ، ترميم البعض الآخر ، حل بعض الإشكاليات الإدارية والفنية كلها ميسورة ومقدور عليها.

وأنا متأكد أن ميزانيتكم لو أحسن تصريفها كافية لتلبية المطالب، فخذوا بمبدأ الأولويات وقدموا الفروض على المندوبات، ولو فعلتم لوصلتم إلى مراحل متقدمة من تلبية تلك الطلبات.

دعونا اليوم من الكماليات دعونا من كل شيء يراد به مجرد المباهاة، بل دعونا من إسراف وإنفاق فيما يعود بالضرر على المجتمعات، إذا كانت الحاجة ماسة لفصول دراسية ومرافق خدمية ضرورية وهذا ما ينادي به الطلاب فأيها أوجب تلك الحاجات الملحة أو مرافق الرياضة النسائية؟؟ التي تصرف فيها الأموال الطائلة، وحصيلتها إفساد بناتنا ونزع حيائهن والزج بهن نحو التبرج والاختلاط وقلة الحياء!!.

إنكم إن فعلتم ذلك عن قناعة بأن هذا هو الواجب فقد ذهبت عقولكم وأخلاقكم وضمائركم، وإن فعلتموه إرضاءً لجهات معينة فقد أسخطتم الله وأسخطتم شعبكم وسوف يسخط الله عليكم ويُسخط عليكم من ترضونه بسخطه، ولكم من سلطات مصر وتونس البائدتين أعظم العبر.

ألا فانصحوا لأمتكم، انصحوا لطلابكم، انزلوا إليهم، أشعروهم بالحنان والرحمة والأبوة ووفروا لهم من مخصصاتهم التي تهدر في غير محلها ما يلامس طلباتهم، تكسبونهم وتضمنون ولاءهم ومحبتهم.

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم