الخطب والمحاضرات

الفساد الكبير

2010-03-01


بسم الله الرحمن الرحيم

الفساد الكبير

عباد الله:

إننا مضطرون للعودة للحديث عن غزة لأننا من قبل تحدثنا عن الحصار، أما اليوم فإننا نتحدث عن الدماء التي تسيل كالأنهار، نتحدث عن التقتيل و الدمار، نتحدث عن المئات من الجرحى و القتلى، نتحدث عن الهدم والتخريب و الإفساد في الأرض نتحدث عن استغاثات لم تلق معيناً، نتحدث عن آلاف الصرخات: " وامعتصماه " فلم تصادف نخوة المعتصم، نتحدث عن تصوير واقعي لما قرره القرآن، ذلك التقرير للأسف الشديد لم يعد محور تفكير المسلمين، ولا منطلق استراتجياتهم ولا قاعدة تحركهم.

القرآن الكريم يقرر أن الكافرين جميع الكافرين يوالي بعضهم بعضاً على المسلمين فيقول: [ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] ([1]) و يقول: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] ([2]) .

نعم إن موالاة الكافرين بعضهم لبعض ضد المسلمين تبرز اليوم بدليل قطعي لا مجال لتأويله أو التهوين من شأنه، لقد اعتدت إسرائيل على دولة غزة اعتداءً وحشياً بربرياً لا يمكن أن يسكت عنه بأي حال من الأحوال؛ فنتج عنه أكثر من(1300) قتيل وأكثر من(5500) جريح معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال، إضافة إلى الدمار الشامل في الأموال والممتلكات.

هذا كله لم يحرك قلباً من قلوب الكافرين ولم يسعَ أحد لإدانته والتنديد به، واعتبروه دفاعاً عن النفس، أما الهجوم الذي نفَّذه المجاهدون الفلسطينيون والذي قُتل بسببه قتلى وعدد من الجرحى من كبار مجرمي اليهود الذين يفتون الجنود الإسرائيليين بقتل المسلمين الفلسطينيين وإبادتهم فإنه أقام الدنيا وأقعدها، وحرَّك مجلس الأمن وهزَّ أركانه؛ لأنه مجلس أمن الكافرين و تخويف المؤمنين.

وانطلقت أصوات من يسميهم قادتنا وحكامنا رعاة السلام رعاة المباحثات بين الفلسطينيين واليهود، انطلقت منددة مستنكرة واصفة ذلك الهجوم بأبشع العبارات، كما فعل الرئيس الأمريكي بوش حيث وصفه بالبربري، وفي نفس الوقت لم ينس أن يؤكد دعم بلاده لإسرائيل، وتصرح وزيرة خارجيته بقولها: ( أن العمل البربري لا مكان له بين الشعوب المتحضرة ويصدم ضمير كل الأمم المحبة للسلام ) وحتى مَن هم في طريقهم إلى الرئاسة الأمريكية كلهم ندد به وأدانوه و جددوا وعودهم بدعم إسرائيل. وليس هذا موقف أمريكا وحدها، ولكن القطب الآخر الذي يعلق عليه البعض الآمال " روسيا " يعلن سفيرها أسفه لعدم التوصل إلى إدانة ذلك الحادث، وأنه يجب أن يعالج منفصلاً عن موضوع غزة. وما نجده إلا أن نقول ونحن نقولها من قبل ومن بعد صدق الله عز وجل إذ يقول: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] ([3]).

أيها المؤمنون:

أتدرون ماذا تُعلِّم مدارس اليهود الدينية لتلاميذها؟. إنها كما يقول شاهد من أهلها هو الكاتب (يوسف موندي) (إن المدرسة اليهودية في إسرائيل تعلم اليهود كل ما هو فاشي وعنصري وفيها دعوات صريحة للقتل والفوضى إذا كان القتل يستهدف العرب، والفوضى تمس مشاعر العرب و حياتهم العامة).

عباد الله:

لقد تحقق على أرض الواقع ما وصف الله به الكافرين، فهل المؤمنون كما يجب أن يكونوا: [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ٌ] ([4]) الواقع أن هذه الولاية بين المسلمين غير مكتملة بل ضعيفة جداً، فولاء كثير من قادة المسلمين السياسيين والمفكرين لأعداء الله أقوى من ولائهم لإخوانهم المسلمين.

ولذلك وقعت النتيجة التي أخبر الله عنها: [إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] ([5]) نعم لقد وقعت الفتنة، فكم من المسلمين قد ارتدوا عن دينهم وتنصر من تنصر من المسلمين في أفغانستان والصومال والعراق؟ بل كم تنصر من المسلمين في البلدان التي لم تُحتل ولم يَصَلْها الحرب؟؟؟.

لقد ذكَرت بعض التقارير أن عدد الذين تنصروا في اليمن وصل إلى (120) وبعض التقارير تقول أن هذا في حضرموت فقط، وأقول هذا كلام مبالغ فيه، و لكنه يدل بلا شك أن هناك غزو تنصيري كبير وجاد موجود في البلاد، على المسئولين أن يتقوا الله ويتصدوا له، بل بلغت جرأتهم أن أطلقوا موقعاً باسم (اليمن من أجل المسيح) و أصبحوا يوزعون الأناجيل داخل اليمن...الخ.

وهناك فتن غير التنصير، هناك من خرج عن الإسلام ولم يدخل النصرانية، هناك من أصبح علمانياً يؤمن بفصل الدين عن الدولة، هناك من أصبح ليبرالياً قِبلتُه البيت الأبيض بدلاً من البيت الحرام، هناك المنظمات التي ترتدي ثياب حقوق الإنسان وهي ضد أعظم حق من حقوق الإنسان وهو عقيدته الإسلامية بالذات.

هناك المنظمات المتدثرة بغطاء حقوق المرأة قد وصلت عقر دارنا، وهي تسعى لتحريف ديننا وقلب مبادئنا وتبديل تشريعنا بتشريعات وضَعها طواغيتها، يريدون أن يبدلوا جميع الأحكام التي تخص المرأة وتفرق بينها وبين الرجل، تلك الأحكام المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله يريدون إلغاءها وإبدالها بقوانين من عند أنفسهم تجعل المرأة كالرجل في كل شيء حتى في أخص الخصوصيات.

وفعلاً قد قَبِل اليمن بإدماج ثقافة النوع الاجتماعي -وهو ترجمة لمصطلح (الجندر) الانجليزي- والذي يلغي جميع الفوارق بين الرجل و المرأة حتى يصل نهايته إلى أن يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، ومن أغرب ما سمعت في إذاعة المكلا أن محافظ المحافظة أصدر قراراً بالترتيب والإعداد لدمج النوع الاجتماعي في عدد من المرافق عندنا في حضرموت، وإننا متأكدون إن مسئولينا هنا في حضرموت لم يتصوروا ما يدل على مفهوم النوع الاجتماعي أو ( الجندر ) ولا يمكن أن يرضوا بما يدل عليه ويترتب عليه، ولكن كيف. كيف يقبلون شيئاً لا يعرفون نهايته؟!!.

 

الخطبة الثانية

توصيف ما يجري في غزة وواجبنا نحوهم.

عباد الله:

لقد تعاملت دولة اليهود مع قطاع غزة وكأنه دولة متكاملة لديها كافة الإمكانيات العسكرية والدفاعية، وحيث كل ما عندها من قوة ولم تفرق بين شيخ كبير وطفل صغير أو امرأة ضعيفة عاجزة.

أتدرون لماذا؟

لأنهم يحسبون ألف حساب للفرد المسلم فهو عندهم أخطر من جيش ويحسبون ألف حساب للبندقية التي بيد المسلم المؤمن الصادق، فهو أشد وأنكى من أرقى أنواع الأسلحة التي يمتلكها العرب والمسلمون، حيث لم يربوا حاملي تلك الأسلحة على الإيمان والعقيدة.

 

[1] {الأنفال:73}

[2] {البقرة:190}

[3] {الأنفال:73}

[4] المصدر السابق

[5] المصدر السابق

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم