الخطب والمحاضرات

خطبة عيد الأضحى ‏لعام 1425هـ

2010-02-23


خطبة عيد الأضحى ‏

لعام 1425هـ مصلى العيد بالمكلا

-التكبير تسعاً. ‏

-الله أكبر كلما هوت القلوب إلى البيت العتيق، الله أكبر كلما توافدت ‏الوفود إليه من كل فج عميق، الله أكبر كلما لبى الحجيج بشعار التوحيد ‏والتصديق، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، أكبر الله أكبر ولله الحمد. ‏

-الحمد لله الذي جعل العبادات زكاة للنفوس، ومقربة إلى الملك ‏القدوس، ومكفرة للذنوب الجالية للشقاء والبؤس. ‏

وقص علينا من قصص أنبيائه وأوليائه ما فيه عبره للمعتبرين، وقدوة ‏للساكنين، وحافزاً على التضحية و العطاء المواصل إلى رضوان رب العالمين. ‏

والصلاة والسلام على من ضحى في سبيل ربه بقليله و كثيره، وقريبه ‏وحبيبه، فلم يدخر من دون مرضاة الله زاداً، ولم يؤثر عليه مالاً ولا أولاداً، ‏صلى الله عليه وعلى آله و صحبه وسلم تسليماً كثيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله ‏و أشهد أن محمداً عبده ورسوله. ‏

أما بعد: فأوصيكم عباد الله بتقوى الله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ ‏تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] .‏

عباد الله: ‏

إننا في يوم عظيم من أيام الله، يوم يقول عنه الرسول صلى الله ‏عليه وسلم: (أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر) ( ‏ ‏ ) ويوم ‏النحر هو يومكم هذا، وهو يوم الحج الأكبر الذي نوَّه الله به في القرآن ‏في قوله عز ذكره: [وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ ‏أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ‏فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] {التوبة:3} ‏سماه يوم الحج الأكبر؛ لأن معظم أعمال الحج تقع فيه من الرمي والنحر ‏والحلق والطواف والسعي، كل هذه الأعمال يمكن أن تقع في هذا اليوم؛ ‏لذلك نال هذا الفضل وهذه العظمة عند الله تعالى.‏

فالله أكبر كيف تكون العظمة، كيف يكون الجمال والجلال، كيف تكون ‏الأبَّه في ذلك المجمع العظيم الذي يحويه منى والناس أمواج متلاطمة وكتل ‏بشرية متحركة، قد ذابت فيها الفوارق، وتحطمت فيها المراكز والمراتب، ‏وامتزجت الألوان وتداخلت اللغات، هدف واحد ونداء واحد ولباس واحد، كلهم ‏يهتف بذلك النداء الخالد: (لبيك اللهم لبيك) فيا لها من مناظر تستفز النفوس، ‏ومشاهد ترفع الرؤوس، وحقائق تنطق وتشهد بعظمة الملك القدوس.‏

إن الحج شاهد واحد من شواهد عظمة هذا الدين، ودليل قاطع على ما ‏يودع الله فيه من عوامل قوة وسيادة المسلمين.‏

إنه مبعث أمل يبدد ظلمات اليأس المخيم على واقعنا المهين، ‏وشحنة قوية من الطاقة الدافعة للأمة على العمل لاستئناف حياة العز ‏والتمكين. ‏

ولعل ذلك من المنافع التي أودعها فيه رب العالمين، فهل يعي ذلك ‏المسلمون و يستغلوه

يقول أحد النصارى المبشرين بالنصرانية في بلاد المسلمين: (سيظل ‏الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير المسيحي ما دام للإسلام هذه ‏الدعائم: القرآن، واجتماع الجمعة الأسبوعي ومؤتمر الحج السنوي). ‏

عباد الله:‏

إذا كان الحجاج قد فازوا بتلك المنح العظيمة والنعم الجسيمة، ‏وتمتعوا في تلك المشاعر بما يهيج الخواطر ويلهب المشاعر، و يجلب ‏السرور ويملأ بالسكينة الصدور، إن كانوا قد فازوا بذلك كله فإن الجواد ‏الكريم والبر الرحيم لم يتركنا محرومين من الخيرات، ولم يسد علينا ‏أبواب الأجور والحسنات، ولم يمنعنا من أسباب المسرات. ‏

بل قد شرع لنا من ذلك ما نعوض به ما فات، وننافس به الحجاج ‏في تحصيل الحسنات وارتقاء الدرجات، فالتكبير الذي يُدوِّي في أجواء ‏بلاد المسلمين مظهر عظيم من مظاهر عظمة هذا الدين، واجتماع الناس ‏في مصليات العيد مشهد من مشاهد وحدة المؤمنين. والأضاحي التي ‏تنحر و تسيل دماؤها لله وحده رمز كبير للبذل والفداء والتضحية في ‏مرضاة رب العالمين، هذه الأضحية وذلك الهدي الذي يذبحه الحجاج في ‏منى كلاهما إرث من إرث إبراهيم خليل الرحمن، إبراهيم الذي أخلص حبه ‏لله حتى سمي بالخليل وقام بما أمر به من الدقيق والجليل، حتى استحق ‏شهادة التنزيل: [ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ ‏لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ] وشهد له مرة ‏أخرى بقوله تعالى: [وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى] أي قام بجميع ما ابتلاه الله به ‏و أمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه. ‏

إبراهيم الذي (بذل قلبه للرحمن وولده للقربان وبدنه للنيران وماله ‏للضيفان) ( ‏ ‏ ) ثم جعله الله للناس إماماً يقتدى به في تلك الخصال العظيمة ‏والصفات الكريمة والتضحيات الجسيمة. " تكبير ". ‏

وتأملوا معي عباد الله: كيف ابُتلي إبراهيم بالتضحية بابنه الغلام الحليم، ‏قرة عينه وثمرة فؤاده ومنتهى آماله، الذي جاء بعد وقت الإمكان، ووهب وقد ‏كاد ييأس منه الأبوان، فما كان منه إلا التسليم والامتثال لأمر الملك العليم: ‏

وخذوا صورة ذلك المشهد العظيم، الذي كمل فيه العبودية لله وخلا قلب ‏الخليل من كل شيء سوى الله؛ فوقع التسليم المطلق الذي لا تردد فيه، واقتدى ‏فيه الولد بأبيه، فلم يمانع الذبح وتنهى حياته بهذا الأسلوب التي تتزلزل منه ‏النفوس فضلاً عن ممارسته حقيقة، فلما ظهر صدق الإيمان وكمال التسليم ‏ونهاية الطاعة والامتثال جاء الفرج، بل جاءت الكرامة التي لا ثمن لها، والمنحة ‏التي لايقدر قدرها جاء الفداء لإسماعيل من رب العالمين، كبش عظيم من كباش ‏الجنة يسوقه جبريل فيذبحه إبراهيم ويصبح سنة للمؤمنين إلى يوم الدين، خذوا ‏صورة ذلك كله من أصدق مصدر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ‏تنزيل من حكيم حميد، قال تعالى حاكياً قصة إبراهيم وإسماعيل وقصة أصل ‏الأضحية و الهدي: [وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ‏فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي ‏أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ ‏الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا ‏كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ ‏فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ] .‏

هذا هو الفداء، هذه هي التضحية، هذا هو الإيمان والتسليم، هذا هو ‏الانقياد لرب العالمين، ثم هذه هي النتيجة وتلك هي الثمرة: [وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ‏الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ] و ليست لإبراهيم وحده بل:[كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ] ‏فكل من سلك سبيل إبراهيم في التضحية لهذا الدين، والتسليم لرب العالمين ‏سينال أجر المحسنين. تكبير. ‏

عباد الله: ‏

ماذا نستفيد من هذه القصة؟ ماذا نستفيد من هذا المشهد العظيم ‏المؤثر؟ ماذا يحرك فينا هذا السياق الكريم؟ يجب أن يحرك فينا البذل ‏والعطاء و التضحية والفداء في سبيل الله، يجب أن نقتدي بأبي الأنبياء ‏في بذل نفسه للنيران فداءً لدين الله، وفي بذل قلبه للرحمن بحيث لا ‏يزاحم حب الدنيا وحب الأولاد والأموال والزوجات والشهوات - لا يزاحم ‏حب الله في قلوبنا، في بذل ولده للقربان بحيث نجعل أولادنا عباداً لله ‏صالحين، نحثهم على تقديم مرضاة الله على مرضاة الخلق نرضى ونفرح ‏بصلاحهم وتقواهم و لوحرمنا منافعهم المادية، نبذلهم حيث يطلب منا ‏البذل لحماية الدين والوطن و المقومات، فلا نبخل أو نشح بهم على ذلك، ‏و في بذله ماله للضيفان نقتدي بهم في الجود والكرم وإطعام الطعام وبذل ‏المعروف وإغاثة الملهوف.‏

ثم تقتدي الأمهات بهاجر أم إسماعيل التي ما اعترضت على حكم ‏الله ولا منعت زوجها ولا ابنها من إنفاذ مراد الله، وإن كان من ذلك ذبح ‏وحيدها وإعدام وليدها وتجرعها غصة الحزن و الأسى طوال حياتها. ‏

ويقتدي الشباب والأولاد، بإسماعيل في بذل النفوس والمهجة لله رب ‏العالمين، وفي طاعة الوالدين: تخيل إن أباك يأمرك بأمر فيه هلاكك! هل كنت ‏ستطيعه فيه؟ هل ستقتدي بإسماعيل في تقديم رقبته طاعة لربه وبراً لأبيه، إننا ‏لا نطالب منك أيها الولد المبارك هذه التضحية التي لا يمكن أن يتكرر مثلها، ‏ولكننا نطالب طاعتهما فيما تقدر عليه فيما هو في استطاعتك وإمكانك وإن كان ‏ذلك قد يخالف هواك وقد يخالف رغباتك وقد يكلفك تعباً ومشقة، وفي كل تلك ‏الأحوال يجب أن تسمع لهما وتطيعهما ولا تتأفف ولا تتذمر من ذلك: [ وَقَضَى ‏رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ‏فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ ‏الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً]. ‏

وعلينا جميعاً أيها المؤمنون أن نضحي بحظوظ أنفسنا، نضحي بأهوائنا، ‏نضحي بالضغائن والأحقاد التي تملأ صدرونا؛ حتى يكون عيدنا سعيداً و منهجنا ‏رشيداً وأمرنا سديداً." تكبير ". ‏

الخطبة الثانية

-‏التكبير سبعاً ‏

-‏الله أكبر كلما ظهرت آيات الله في النفس والآفاق، الله أكبر كلما ذلت ‏لعظمة الله النواصي و الأعناق، الله أكبر كلما أيقن بقدرة الله أهل الخلاف ‏والوفاق، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر و لله الحمد. ‏

الحمد لله الذي يخوف عباده بالآيات، وينذر العصاة بأبلغ العقوبات، ويعظ ‏أولياءه ليتداركوا أمورهم قبل الفوات، أحمده وهو بالحمد جدير، و أشكره ‏وشكره من أسباب حسن العاقبة والمصير. ‏

والصلاة و السلام على أشد الناس خشية لربه، وأكثرهم خوفاً من ذنبه، ‏نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ‏له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ‏تسليماً كثيراً. ‏

أما بعد: عباد الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‏اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ ‏وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] . ‏

عباد الله: ‏

لقد حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية حدث عظيم وظهرت آية ‏من آيات الله الحكيم العليم، ذلك هو الزلازل الذي ضرب جنوب شرق أسيا ‏وما نتج عنه من طوفان كبير لم يشهد له العالم مثيلاً منذ قرون، وما ‏ترتب عليه من مآسي وكوارث مروعة، لا تزال الدنيا بأسرها تتفاعل ‏معها وتتأثر بها، وقد أثارت هذه الحوادث الكثير من التساؤلات، بل ‏وسرت بعدها العديد من الشائعات؛ لذا وجب أن نلقي الضوء على شيء ‏من ذلك في وقفات تأمل و اعتبار: ‏

الوقفة الأولى: أن نعتقد أن ذلك بقدرة الله ومشيئته، فلا يكون في الكون ‏شيء بغير إذنه قال تعالى: [مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا ‏فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ] . ‏

الوقفة الثانية: إن ذلك إنذار من الله و تخويف للناس ليرجعوا عن غيهم، ‏و إشعار لهم بأن ظلمهم و انحرافهم قد بلغ حداً كبيراً، ومدى بعيداً يؤذن بعقوبة ‏شاملة وهلاك كبير إن لم يتعظوا ويتوبوا إلى الله قال تعالى: [مَا أَصَابَكُم مِّن ‏مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم ‏مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ] و قال تعالى: [ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا ‏كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] و الواجب عند ذلك ‏هو التوبة والرجوع إلى الله والتضرع والتذلل بين يديه قال تعالى: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ‏إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ] فإن تابوا ‏وتضرعوا كان لهم الفلاح في الدنيا والآخرة وإلا فالعقوبة الماحقة والهلاك ‏المبين [فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا ‏أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ] . ‏

الوقفة الثالثة:إن العقوبة التي أهلك الله بها الأمم الكافرة المكذبة ما هي ‏إلا من جنس هذه الظواهر التي تسمى الظواهر الطبيعية، وهي في حقيقتها آيات ‏من آيات الله، أليس هلاك قوم نوح بالطوفان، وعاد بالريح والإعصار، وثمود ‏بالرجفة و الزلزلة، و أرسل على قوم فرعون: [الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ ‏وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ] إذن لا ينبغي أن نفسر هذه الأحداث تفسيراً مادياً يبعدنا عن ‏الإيمان بالله والخوف منه والتضرع بين يديه. ‏

الوقفة الرابعة:إن كثرة الزلازل من علامات الساعة، كما قال النبي صلى ‏الله عليه وسلم وكذلك كثرة الفتن والقتل وهذا يقتضي منا أن نعد للقاء الله ‏ونعمل ما ينجينا وما يسعدنا إذا قامت الساعة، ولكن ليس بالضرورة أن تقوم ‏الساعة بعد أيام أو بعد شهور ولا بعد أعوام قليلة، إن علمها عند الله لا يجليها ‏لوقتها إلا هو، وما انتشرت من إشاعات بأن القيامة سوف تقوم خلال كذا وكذا ‏فذلك كله من الكذب على الله، فلا يجوز تصديقه ولا إشاعته وإنما يجب أن نعمل ‏للساعة الأعمال الصالحة التي تنجينا يوم القيامة. ‏

الوقفة الخامسة:إن واجب العالم كله تجاه ما جرى، وواجب المسلمين ‏بوجه خاص أن يقفوا بجانب أولئك المتضررين، ويمدونهم بالدعم المعنوي ‏والمادي، أما الدعم المعنوي فمواساتهم و تعزيتهم من جهة، وتذكيرهم بالله ‏ودعوتهم إليه من جهة أخرى. وأما الدعم المادي فمساعدتهم بالمساعدات ‏النقدية والعينية والطبية وغيرها. ‏

ولقد كان لليمن موقفه المشرف في الجانبين، فإن إنقاذ أولئك أو كثير ‏منهم من طوفان الجهل وزلزلة الشرك والوثنية وإخراجهم من الظلمات إلى النور ‏كان على يد أبائنا وأجدادنا اليمنيين، فاتحين ودعاة عاملين و تجاراً أمناء ‏موفقين. ‏

وفي الجانب المادي قام أبناء اليمن اليوم على ضعف إمكانياتهم وضيق ‏حالهم بما لم يفعله إلا قليل من الشعوب، ولا غرابة فإنهم أحفاد من قال الله ‏فيهم: [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ].‏

ولقد كان للانسجام بين موقف القيادة والشعب و التوافق والألفة بينهما ‏أثره الواضح في دعم الموقف الرسمي وتحريك الجهد الشعبي، وهذا من نعمة ‏الله على هذه البلاد حيث لا تضارب ولا مصادمة بين الموقفين وهذا يدعونا إلى ‏المزيد من رص الصفوف وتوحيد الكلمة والحفاظ على الوحدة الوطنية، ‏وصيانتها من كل ما يعكر الصفو و يقلق البال. ‏

ومما يحقق ذلك أن تنظر القيادة إلى الشعب وإلى الطبقة الفقيرة ومحدودة ‏الدخل منه على وجه الخصوص نظرة شفقة وحنان، وأن تخدم مصلحته وتراعي ‏ظروفه وتقدم ذلك على كل اعتبار فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول:( اللهم ‏من وَلِيَ من أَمْرِ أُمَّتِي شيئا فَشَقَّ عليهم فَاشْقُقْ عليه وَمَنْ وَلِيَ من أَمْرِ أُمَّتِي ‏شيئا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) ( ‏ ‏ ) فيجب على الدولة أن تعمل بكل جد على إزالة ‏آثار الجرعة الجديدة المتمثلة في رفع الدعم عن المشتقات النفطية بكل السبل، ‏ولو غضبت بعض المنظمات والجهات المانحة فإن رزقها ورزق شعبها عند الله ‏وليس عند أحد سواه. ‏

كما أن واجبها استكمال ما تم إنجازه من استتباب الأمن والاستقرار، ‏وذلك بالعمل على ربط الأمة بربها وإحياء ضميرها وإشاعة التقوى الحاجزة عن ‏ظلم الناس وترويعهم، ثم العمل على سيادة القانون الشرعي الذي يخوف ويزجر ‏من لا يخاف الله " وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". ‏

ومن الأمور الخاصة بنا في حضرموت يجب على السلطة المحلية ‏بأجهزتها المختلفة البت في القضايا الجنائية والأمنية المعلقة، وعلى رأسها ‏قضية الطفل اليزيدي و الشاب عويض، وإلا فإن هذه السلطة سوف تفقد ‏مصداقيتها أمام هؤلاء الناس، وتجرئ من لا يخاف الله على مزيد من الجرائم. ‏نسأل الله أن يجنبنا و يجنب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفق ‏قيادتنا للعمل لما يرضيه، ويلهمها رشدها ويجنبها كيد الكائدين ومؤامرات ‏الأعداء الحاقدين، وأن يعيد هذا العيد علينا وعلى سائر المسلمين بالخير واليمن ‏والبركات. ‏

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم