الخطب والمحاضرات

خصائص أهل السنة

2010-02-16


خصائص أهل السنة

مسجد خالد بن الوليد

4 رجب 1425هـ

خطبة الحاجة والوصية بالتقوى

عباد الله :

إن الله اختار محمداً صلى الله عليه وسلم وفضله على سائر المرسلين، و اختار له أصحاباً هم خير الناس بعد الرسل، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ( أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقهم علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه وإقامة دينه؛فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم ورب الكعبة على الهدىالمستقيم).([1]) .

فهم قدوة الأمة وأسوتها ورمزها ورواد سبيلها، فلا سبيل إلى الجنة إلا سبيلهم، بل لا صلاح للأمة في دينها ودنياها إلا بالتمسك بمنهاجهم.

لكن بمقتضى السنة الكونية الماضية، ظهر الاختلاف والتفرق في الأمة، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: ((افتَرَقَتِ اليهودُ على إحدَى وسبعين فِرقَة، وافترقتِ النصارى على اثنتَين وسَبعين فِرقَة، وستفترِق هذه الأمّة على ثَلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النَّارِ إلا واحدة)) ، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ((من كان على مِثلِ ما أنا عليه وأصحابي)) ( [2] ).

فالفرقة الناجية من الفتنة والضلال في الدنيا، والناجية من العذاب في الآخرة، هم من كان على مثل ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم في عقيدتهم وعبادتهم وسلوكهم وأخلاقهم، وحرصهم على جمع الكلمة ووحدة الصف والبعد عن الشقاق ولذلك سموا أهل السنة والجماعة.

تلك الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لها خصائص عظيمة تتميز بها عن سائر الفرق الضالة منها:

1 – أنهم لا يأخذون دينهم إلا من مصادره المتفق عليها: الكتاب والسنة، والإجماع، القياس الصحيح، فليس هناك مصدر يتلقى منه الدين غير هذه المصادر، فلا إلهام ولا ذوق ولا رؤيا ولا قول بشر كائناً من كان، بخلاف بعض الفرق التي تأخذ دينها من تلك المصادر التي لا وزن لها ولا قيمة.

2 – أن أصل الأصول وجامع الأمر وقاعدته هو توحيد الله تعالى، فهم يحافظون عليه ويحاربون كل وسيلة تؤدي إلى نقضه أو المساس به، إذ هو مفتتح دعوة جميع الرسل وغايتها، كما قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ).

3 – أنهم لا يعبدون الله إلا بما شرع، فكل عبادة لم يشرعها الله، ولم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعبده أصحابه فلا يتعبدون بها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ( [3] ) وقال: ( فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) ( [4] ):

ندعو إلى التوحيد طولَ حياتنا

في كلّ حين في الخفا والمشهدِ
ونحــارب الشرك الخبيث وأهله

حربًا ضروسًا باللسان وباليدِ
وكذلك البــدع الخبيثة كلّها

نقضي عليها دون باب المسجدِ

4 – أنهم يحافظون على الجماعة ويلتزمون الطاعة في المعروف أخذاً بقوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) بعكس غيرهم من أهل الأهواء والبدع فإنهم يدخلون تحت قوله تعالى: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ).

فمنهجهم مناصحة ولي الأمر والإنكار عليه والبيان له وللأمة بالطرق الشرعية، وليس الخروج عليه أو تكفيره، مهما ظهر منه من جور وظلم وفسوق، ما لم يظهر منه الكفر البواح، بل من عقيدتهم محاربة البغاة والخوارج الذين يسعون إلى تفريق الأمة وشق عصاها والخروج على أمرائها، ما داموا مسلمين عاملين بالكتاب والسنة.

وهذا بخلاف عقيدة الخوارج والمعتزلة والفرق الشيعية وخصوصاً الغالية منها، فإنهم يرون وجوب الخروج على ولي الأمر عندما يظهر منه أي تقصير أو انحراف حسب فهمهم، وذلك أصل من أصولهم يسمونه ( الأمر بالمعروف ولنهي عن المنكر ) .

5 – ومن خصائصهم: الولاء التام لله ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ولذلك فإن أهل السنة والجماعة وأتباع السلف الصالح لم يسجل التاريخ عليهم دعماً لعدوٍ خارجي أو مستعمر أو غازٍ من الغزاة مطلقاً ، كما لم يسجل التاريخ عليهم أنهم مثار فتنة داخلية أو حروب أهلية ما داموا ملتزمين بذلك المنهج ، ولم يقع من أحد منهم شيء من ذلك إلا بعد خروجه عن ذلك المنهج وتبريه منه.

بخلاف الفرق الضالة فإنها وقود كل فتنة وطبيعة كل عدو، وشواهد التاريخ بذلك أكثر من أن تحصر، ولو رجعنا إلى تاريخنا الحديث في وطننا الحبيب هذا في أكبر وأقبح فتنة مرت به لعرفنا صدق هذا القول، فأول فتنة كبيرة حدثت بعد الوحدة المباركة هي فتنة الانفصال:

فقد كان قادتها ومفجروها الملاحدة الشيوعيون، وأنصارها والمؤيدون لها والمفتون بشرعيتها ووجوب مناصرتها من خالفوا منهج أهل السنة والجماعة في كثير من جوانبه، بخلاف أهل السنة المتمسكين بمنهج السلف الصالح؛ فإنهم كانوا مع الوحدة إلى النهاية سواء كانوا في شمال الوطن أو في جنوبه مهما كلفهم ذلك.

والفتنة الثانية فهي فتنة الحوثي الرافضي، الذي أقلق الوطن وهدد وحدته وسعي لهدم كيانه وتمكين أعدائه منه، وما فعل ذلك إلا بعد أن استورد مذهباً غريباً على اليمن فانغمس فيه، ثم غرسه في نفوس أتباعه، ذلك المذهب الذي يجعل الوصول إلى السلطة أحد أعظم أركان عقيدته، فهو من أجلها يسخر كل شيء حتى العقيدة ذاتها والعبادة وسائر جوانب الدين.

ولذلك فإن الواجب على من يريد صلاح الدنيا أن يتمسك بآداب هذا الدين كما تمسك به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم على ذلك، ومن أراد صلاح الدين فعليه بذلك، وعلى الجميع أن يعلموا أنه لا ناصح مخلص عامل على أمن واستقرار الوطن ووحدته متقرباً بذلك إلى الله إلا من كان على ذلك المنهج.

نسأل الله أن يجعلنا من أصحاب ذلك المنهج علماً وعملاً.

 


 

[1] مشكاة المصابيح 1/67.

[2] أخرجه الترمذي في الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة (2641) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما نحوه، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2129). وفي الباب عن عدد من الصحابة.

[3] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة.. حديث (1718).

[4] رواه النسائي 3 / 189 وغيره وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم: 1353 .

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم