الخطب والمحاضرات

حــق الجـــار

2010-02-12


حـــــق الجـــار

مسجد خالد بن الوليد

الحمد لله الذي جعل القيام بحق الجار من أكمل الإيمان، وإكرامه من أرفع مراتب البر والإحسان، وأذيته من أسباب العقوبة و الخذلان، و الصلاة و السلام على من قرر حقوق الجار أكمل تقرير، وحذر من أذيته أبلغ تحذير، صلى الله عليه وعلى آله أكرم الناس جواراً، وصحابته أمنع الخلق ذمة و ذماراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الوصية بالتقوى.

عباد الله:

سبق وأن تحدثت في عدد من الحقوق في إطار الأسرة: حق الزوجين، حق الوالدين. واليوم آتي إلى حق آخر مهم جداً ألا وهو حق الجوار، ذلك الإنسان الذي جمعك معه موطن الإقامة، وربط بينك وبينه التصاق وقرب المنازل، لا بد لك منه ولا بد له منك؛ فوجبت عليك له حقوق ولك مثل ذلك، و مُنعتَ من تصرفات تؤذيه ومعاملات تكدر عليه، وكلام يجرح خاطره ويضيق صدره، فلا تكن مثل جار السوء الذي تعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة) ( [1] ).

وسيكون الحديث من منطلقات:

المنطلق الأول: قوله تعالى: [وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا] فانظر كيف قرن الله هذه الحقوق بحقه ومنها حق الجار، وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد هذا الحق منها حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم قالا قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ( [2] ).

و انظر كيف جمع بين الجيران، فالجار ذي القربى أي من له قرابة نسب، والجار الجنب الذي لا يربطك به نسب، وقد قال العلماء الجيران ثلاثة: جار مسلم ذو رحم، جار مسلم غير ذي رحم، وجار غير مسلم. (التعليق).

وحق الجار هنا هو الإحسان إليه لقوله تعالى: [وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] أي أن نحسن إلى الوالدين إحساناً، ثم عطف بقية أصحاب الحقوق على ذلك، وكأنه قال وأحسن إلى ذي القربى و اليتامى و المساكين – والجار ذي القربى... الخ. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان إلى ذي القربى من مكملات الإيمان حيث قال: (من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليحسن إلى جاره) ( [3] ). بل جعل الإحسان إليه وإكرامه شرط لكمال الإيمان فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره - أو قال لأخيه- ما يحب لنفسه) ( [4] ).

وهذا الإحسان شامل لكل شيء ومنه الإهداء إليه مما تحب، وإطعامه من الطعام الغريب أو الذي لا يعمل إلا نادراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) ( [5] ). و لتشارك في القليل و الكثير ولا تحتقر شيئاً أن تعطيه، كما أنه لا يحتقر شيئاً أن يقبله قال صلى الله عليه وسلم : (يا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) ( [6] ) وهذا على أقل المراتب، وإلا فكلما جل وكبر العطاء كان أفضل و أجمل:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ** وتأتي على قدر الكرام المكارم

ويتأكد ذلك عند شدة حاجته قال صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن الذي يبيت شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه) ( [7] ).

وقد فصل العلماء الحقوق و وجوه الإحسان إلى الجار: فقال الإمام الغزالي - رحمه الله- : (وجملة حق الجار أن يبدأه بالسلام، ولا يطيل معه الكلام، ولا يكثر عن حاله السؤال، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته ولا يتطلع من السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصب الماء في ميزابه، ولا في مطرح التراب في فنائه، ولا يضيق طرقه إلى الدار، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يسمع عليه كلاماً ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته، ويتلطف بولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه) ( [8] ).

المنطلق الثاني: كف الأذى عنه قال صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره) ( [9] ). و أذية الجار أعظم من أذية غيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأَنْ يزني الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عليه من أَنْ يزني بِامْرَأَةِ جَارِهِ قال فقال ما تَقُولُونَ في السَّرِقَةِ قالوا حَرَّمَهَا الله وَرَسُولُهُ فهي حَرَامٌ قال لأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ من عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عليه من أَنْ يَسْرِقَ من جَارِهِ) ( [10] ).

وقال صلى الله عليه وسلم: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن و الله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) أي شروره ( [11] ) وعن أبي هريرة قال: قال (قال رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ ان فُلاَنَةَ يذكر من كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غير أنها تؤذي جِيرَانَهاَ بِلِسَانِهَا قال هي في النَّارِ قال يا رَسُولَ اللَّهِ فان فُلاَنَةَ يذكر من قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا وإنها تَصَدَّقُ بالأتوار مِنَ الأَقِطِ وَلاَ تؤذي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قال هي في الْجَنَّةِ) ( [12] ) .

 

 

 


 

[1] رواه ابن حبان 3 / 307 برقم 1033 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 3943.

[2] رواه البخاري 5 / 2239برقم 5668 ومسلم 4 / 2025 برقم 2625.

[3] رواه مسلم 1 / 69 برقم 48

[4] رواه مسلم 1 / 67 برقم 45

[5] رواه مسلم 4 / 2025 برقم 2625

[6] متفق عليه البخاري 2 / 907 برقم 2427 ، مسلم 2 / 417 برقم 1030

[7] رواه الحاكم في المستدرك 2 / 15 برقم 2166 وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم: 5382 .

[8] إحياء علوم الدين 2 / 213.

[9] رواه البخاري 5 / 1987 برقم4890 ، مسلم 1 / 68 برقم 47

[10] رواه أحمد 6 / 8 برقم 23905 وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 2549.

[11] رواه البخاري 5 / 2240 برقم 5670 ، مسلم 1 / 68 برقم 46.

[12] رواه أحمد 2 / 440 برقم 9673 والحاكم وقال صحيح الإسناد 4 / 184 برقم 7305 وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 2560.

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم