الناس في استقبال رمضان
✍️ فضيلة العلامة/ أحمد بن حسن المعلم
في هذه الأيام نفوس كثيرة وفئات مختلفة من الناس تتشوق لرمضان، وتضع الخطط لاستقباله، كلٌ بطريقته وبحسب رغبته وهمته.
◈من أولئك: بعض الإعلاميين الذين يخططون من شهور طويلة لتقديم ما يجلب المشاهدين، ويستحوذ عليهم ويؤثر على نفوسهم وعقولهم، بحيث يشغلونهم بذلك عن الذكر والعبادة، ويُحولون ليالي رمضان إلى لهو ولعب وسموم تمرض القلوب والأرواح، بمواد إعلامية محرمة وبعضها يتعدى إلى القدح في الدين والسخرية برموزه ومقدساته، فهؤلاء محاربون لله ورسوله وللمؤمنين، ويجب على المشاهدين مقاطعة برامجهم والإعراض عنها ومنع الأسر من متابعة تلك البرامج.
وأما أولو السلطة فواجب عليهم الأخذ على أيديهم، ومنع تلك الوسائل من بث سمومها وإفساد ليالي رمضان وتحويلها إلى ضد ما جعلت له، وإذا كنا غير قادرين على منع ما ليس لنا عليه سلطة، فإن وزارة الإعلام في بلادنا مسئولة مسئولية كاملة عن كل ما يعرض في القنوات اليمنية، وعليها أن تمنعها من بث أي شيء لا يليق بالشهر الكريم وبمشاعر الصائمين، وخصوصاً بعض المسلسلات والبرامج التي تتبناها الوزارة أو بعض مؤسساتها، والتي قد ظهرت سوآتها وانتقدها العقلاء والعلماء.
◈ ومن الفئات المتشوقة لرمضان: بعض التجار الذين يشتاقون له ليملئوا الجيوب، ويضخموا الأرصدة ويمتصوا دماء الصائمين، يرفعون أسعارهم ويروِّجون بضائع فاسدة ويغشون ويخدعون، كل ذلك استغلالاً لاندفاع الناس لشراء متطلبات رمضان، وهؤلاء أخطئوا الطريق وخسروا من حيث يظنون أنهم رابحون، فما أحقهم بأن يقال عنهم: { فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}، وأخسر صفقة من هؤلاء تجار الملابس، الذين يتسابقون في إفساد النساء وتشجيعهن على التبرج والتعري المتدرج، بحيث يقضى على الحجاب وعلى الحياء، وتصل إلى ما وصل إليه غيرنا من السفور والعري والضياع، وهؤلاء هم دعاة الفتنة، ومُشيْعوا الفاحشة، وعليهم أوزارهم وأوزار كل من خُدعت بهم، وتخلت عن حجابها وحيائها بسببهم: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ}
◈ ومن الفئات المتشوقة لرمضان: فئة كبيرة من الناس ومن الشباب على وجه الخصوص، قلَّ علمهم، وصغر قدر رمضان في نفوسهم، فهم يشتاقون لا ليملئوا ساعاته بالطاعات، ويستفرغوا أوقاته فيما يقربهم إلى خالق الأرض والسموات، ولكن ليكرروا عادات تعودوا عليها في السنين الماضيات، أو يخترعوا من اللهو واللعب ما يقطعون به الساعات، ويهدروا به الأوقات، ويحرمون أنفسهم به من مضاعفة الحسنات، ورفيع الدرجات، فنهارهم نوم حتى عن الصلوات المكتوبات، فضلاً عن النوافل والمندوبات، والليل لهو ولعب وبرامج مسلسلات، أو تسكع في الأسواق وأذية للمؤمنين والمؤمنات، فهؤلاء أخشى أن يكونوا من المبعدين والمحرومين، الذين لا يزيدهم رمضان عن الله إلا بعداً، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جبريل عليه السلام أتاني فقا : (من أدرك رمضان فلم يغفر له فدخل النار، فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين) ، كما أخشى أن يكونوا من المحرومين كما في حديث أبي هريرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن شهر رمضان وعن ليلة القدر حيث قال: (وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم الخير كله) ، وفي رواية: (ولا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إلا مَحْرُومٌ) .
فيا شباب الإسلام، ويافتية الدين، وياأمل الأمة: إياكم أن تكونوا من هذه الفئة التي تخسر في مواسم الربح، وتحرم في مواطن الفوز، وتبعد في منازل القرب من رب العالمين، فلا تفلح في دين ولا دنيا، ولا تسعد في الحياة ولا بعد الممات.
◈ وحتى لا تظلم الدنيا في أعيننا، ولا تسوء ظنوننا بأنفسنا وبأمتنا؛ فإنني أبشركم بأن هناك فئات هي على العكس ممن مضى ذكرهم، فئات صالحة طامحة متنافسة في الخير، مسارعة إلى الأجور والحسنات مستغلة لرمضان أحسن استغلال، مدركة فيه أرفع الدرجات، وكاسبة فيه أوفر الحسنات، ومكفرة ما في صحائفها من ذنوب وسيئات، هناك إعلاميون يُسخرون وسائلهم للهداية والإرشاد والدعوة إلى سبيل الرشاد، وهناك تجار يشتاقون إلى رمضان لتفطير الصائمين وإطعام الجائعين وتفريج كرب المكروبين، لا يريدون من وراء ذلك جزاء ولا شكوراً إلا من رب العالمين، وهناك شباب وكهول ورجال ونساء يتشوقون لرمضان للاتجار مع رب العالمين يرجون تجارة لن تبور، ويغرسون فيه الأعمال الصالحة ليجنوا ثمارها فضائل وحسنات، ورفعة في الدرجات، وتكفير السيئات، وعتقاً من النار، وتزكية للأرواح، وتطهيراً للنفوس، وعلاجاً للقلوب؛ حتى يكونوا من أهل الجنة، ونعم المصير: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
علم هؤلاء أن أيام رمضان معدودة، وساعاته محدودة، فأكدوا العزم على أن يسخروها في الطاعة؛ ليكسبوا فيها أحسن البضاعة، فصاموا النهار إيماناً واحتساباً ثم أردفوا ذلك بالذكر والقراءة والصدقة والمواساة والحفاظ على الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، يرافق ذلك كف للجوارح عما يجرح الصيام ويذهب أثره، فهم يحافظون على الأبصار والأسماع والألسنة عن أن تستمتع بالحرام، أو تقول الهجر والفحش من الكلام، متأدبون بآداب الصوم فلا رفث ولا صخب ولا جهل، فإن ساب أحدهم جاهل أو قاتله قال: ( إني صائم ) وأما ليلهم فقيام وتراويح وذكر وتسبيح، يتحصنون بالمساجد عن فتن الأسواق، أو يلجأون إلى بيوتهم حذراً من الانزلاق في مجاراة الجهلة والفساق، معرضون عن عفن وغثاء الفضائيات، وفتن وحبائل الشيطان التي تبثها بعض القنوات.
لديهم من الخير والمعروف المباح ما يغني عن المنكر والمحرم والمجون ، فهؤلاء هم الفائزون ومن تجارة رمضان هم الرابحون، وما فيه من نفحات هم المغتنمون والغانمون: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
فكن يا عبدالله من هؤلاء، تحلّ بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم، واحمل همتهم لتصل إلى ما يصل إليه السابقون، وتدرك مايتنافس فيه المتنافسون، وتكون ممن أحرز السعادة وبشر بالحسنى وزيادة: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أحمد المعلم