||

الخطبة الثانية

عباد الله :

إن تجدد الأحداث المؤسفة التي وقعت الأسبوع الماضي، وبالشكل الذي وقعت به، وسن القائمين بالتفجير ونوعية المستهدفين، كل ذلك يجعلنا ندرس الأمر بجدية ونعرف واجبنا نحوه، ونقوم بذلك الواجب على الوجه الصحيح.

أما الشكل الذي وقع به حادثا شبام وصنعاء، وهو التفجير الانتحاري فإنه يؤكد أن من قام بهما يحمل عقيدة قوية وراسخة في صحة ذلك العمل، وأن الأجر عليه عظيم،إنه الشهادة والجنة والحور العين، فلو كان ذلك الشاب لا يحمل تلك العقيدة لما أقدم على تفجير نفسه بحيث يتمزق جسده وتتناثر أشلاؤه بفعل نفسه، ولا يلزم أن تكون تلك العقيدة صحيحة، بل هي باطلة قطعاً.

ولكن أصحاب العقائد الباطلة إذا ترسّخت قناعاتهم بها، فإنهم يضحّون من أجلها كما يضحي أصحاب العقائد الصحيحة إذ العبرة بالقناعة واليقين بتلك القناعة وليس بكون العقيدة في ذاتها صحيحة أو باطلة.

وقد اتفق العلماء والعقلاء على بطلان عقيدة الخوارج، ومع ذلك فقد اتفق المؤرخون على أن تضحية الخوارج من أجل عقيدتهم الباطلة قلَّ أن تجد لها مثيلاً، وهؤلاء الشباب الذين يسيرون على منهج الإرهاب واستحلال الدماء بدون ضوابط شرعية، والحكم على الآخرين بالكفر والردة، هم على منهج الخوارج وإن اختلفوا في بعض الجوانب وإن سموا أعمالهم جهاداً.

وأما سِن القائمين بالعمليتين فلنا عنده وقفات:

الوقفة الأولى : أن القادة والكبار منهم لم يكونوا على نفس القناعة التي وصل إليها

الصغار، ولو كانوا كذلك لما تأخروا وقدموا أولئك الصغار للشهادة والجنة حسب

زعمهم.

الوقفة الثانية : أن الفئة المستهدفة والمفضلة للاستقطاب هي فئة الشباب الصغار،

قليلة العلم والخبرة، فهؤلاء دائماً هم بضاعة دعاة الفتن ومروِّجي البدع المضلة وقد وصف النبي r الخوارج بأنهم: ( أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرءون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم ).

الوقفة الثالثة : مادام أن الفئة المستهدفة هم الشباب الأغرار؛ فإن ذلك يلزم كل حريص على سلامة الجيل من هذه الانحرافات بأن يقوم بدوره على أكمل وجه في

إطار هذه الفئة.

فالدولة والحكومة ممثلة في وزارة الأوقاف والإرشاد، ووزارة الشباب والرياضة

ووزارة الثقافة ووزارة الإعلام، تتحمل القسط الأكبر من المسئولية، وذلك في

اتجاهين:.

الاتجاه الأول: إزالة ما يثير الشباب وما يستفزهم، ويملأ صدورهم بالسخط على هذه الأجهزة، ثم على الدولة نفسها والحكم عليها بالردة والكفر وجواز الخروج عليها ومحاربتها .

فيجب أن تُطهَّر أنشطة وفعاليات هذه الأجهزة من كل ما يسخط الله، وهو كثير

فالمجون بشتى صوره، والخطاب المنحرف لدى بعض الإعلاميين، والحفلات

والرحلات المختلطة بين الشباب والشابات،وأقبح منه الاتجاه القوي والمتسامح نحو رياضة المرأة، كل ذلك مما يهيِّج الشباب ويدفعهم

لاستخدام العنف لإزالة تلك المناكر، أو الحكم على من يقوم بها بالكفر، ثم استباحة

دمه أو عمل الحوادث التخريبية المتنوعة للضغط على الدولة، حيث لا يجدي في

نظرهم غير العنف .

الاتجاه الثاني: أن تعتبر هذه الأجهزة كلها منابر إصلاح وإرشاد وتوجيه

ودعوة إلى الله عز وجل، فإنه لا صلاح لهذه الأمة إلا بعودتها إليه سبحانه وتعالى

}إنَّ الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم { .

فلذلك عليها أن تخاطب الشعب عموماً، وهذه الفئة منه خصوصاً خطاباً ناصحاً

حكيماً ينبعث من المحبة والشفقة، لا من البغض أو الاستعلاء أو الاحتقار لتلك الفئة، فالاحتقار والاستهزاء والسخرية يولد ردود فعل عنيفة، ويدفع إلى الإعراض بل إلى الانتقام من المستهزئ والمحتقر؛ لذلك يقول الرسول r :p بحسب امرءٍٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه iرواه مسلم.

وكذلك بقية أجهزة الدولة، كالأمن والقضاء وأجهزة مكافحة الفساد، عليهم أن يسهموا إسهاماً فاعلاً في معالجة هذا الانحراف، وذلك في اتجاهين كذلك:

الاتجاه الأول: إصلاح هذه الأجهزة إصلاحاً حقيقياً، وإزالة جميع أنواع التشوهات

التي تحيط بها، ومحاسبة المفسدين من منتسبيها، وإزالة من لا يمكن إصلاحه، والعودة الصادقة إلى تحكيم الشرع الحنيف، ونبذ كل ما يخالفه من تشريعات وممارسات؛لأن من أكبر أسباب الفتنة والاقتتال الداخلي بين المسلمين ترك الحكم بما أنزل الله قال r :p وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله U و يتخيروا فيما أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم i رواه ابن ماجه والحاكم وغيرهما.

وأن يكون ذلك على الجميع دون تمييز كما قال r:p والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها iمتفق عليه.

الاتجاه الثاني: قيام هذه الأجهزة بواجباتها قياماً كاملاً وصارماً، في حدود القانون المستمد من شرع الله، دون إهمال وتوانٍ وتباطؤ، أو رضوخ للعاملين على تعطيل القوانين من المتضررين الدافعين عن أنفسهم ما تستحق من العقاب، و إعطاء الحقوق بواسطة الرشاوى والشفاعات، وكذلك من بعض المتنفذين الذين يراعون مصالح ذاتية أو حزبية ضيقة، ويوجهون تلك الجهات بتجاوز القوانين وتهميشها حين يريدون، فهذه الأجهزة ملك لجميع الأمة، ويجب أن تبقى كذلك، وتقوم بواجباتها وفق ذلك المبدأ.

وهناك واجب على العلماء وقد تحدثت عنه كثيراً، وأؤكد اليوم على الاستمرار في النصح والتوجيه وبيان المنهج الحق، بلهجة الشفيق الناصح المنصف المعتدل ذي الخطاب المتوازن، فلا يظلم الشباب إرضاء للحكومة، ولا يبالغ في الحكم على بعض الأخطاء أو يعطيها أكثر من حجمها إرضاء للشباب، وكذلك على العلماء أن يستعيدوا موقع القيادة والتوجيه الذي هو موقعهم الطبيعي، بمبادراتهم وجهودهم دون أن ينتظروا أن يعطيهم أحد ذلك، وأن يتخلوا عن الانصياع لإملاء الدولة أو ضغط الشارع، فهم القادة وليسوا التابعين، والمؤثرون وليسوا المتأثرين.

وكذلك على الأسرة واجب عظيم، وأهم واجباتها الحفاظ على أبنائها، و منعهم من مخالطة الغلاة و المنحرفين عن وسطية الإسلام، وربط هؤلاء الأبناء بأهل العلم والفضل، ومن عَُرف عنهم الاستقامة وحسن المنهج، وعلى الأسرة كذلك مراقبة أجهزة الحاسوب الخاصة بالشباب، وكذلك الجوالات وما يخزّن فيها حتى لا يحملوا السموم القاتلة فتمرض عقولهم وقلوبهم، وأهلهم يتفرجون عليهم، وعلى المجتمع جميعاً أن يحييَ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطهير البلاد من الأمراض الاجتماعية والمعاصي المنتشرة التي هي من أهم أسباب الانحراف الفكري، ومما يجلب سخط الله ونقمته ويذيق الأمم بأسها بأيديها قال تعالى:) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نعرف الآيات لعلهم يفقهون (.

أسأل الله تعالى أن يجنب بلادنا وبلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.

 

صفحات مميزة



آخر الأخبار



معرض الصور