||

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجميعن، ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد:
بعد أن عادت بعض الرؤوس الصوفية في الكويت إلى الظهور، وبدأ بعضهم إثارة الشبهات على المنابر العامة والدفاع عن المذهب الصوفي وبعض رموزه المعاصرين كالجفري، وحاولوا إعادة الاعتبار إلى رموزهم القديمة كابن عربي، كان من الواجب والنصح للأمة أن نبين لهم حقيقة الصوفية، التي يدافعون عنها ويحاولون التلبيس على العامة بها، كما نبين حقيقة الجفري وطريقته العلوية الصوفية المبنية على الخرافة والشعوذة، وعليه نوضح للقارىء الكريم أنه لا يوجد ثمة فرق بين غلاة الصوفية القدماء، والفرق الصوفية المعاصرة، التي حاولت ومازالت الترويج بأن الصوفية ليست فرقة ضالة، بل هي مثل بقية المدارس الإسلامية الأخرى، كالمحدثين، والفقهاء، والأصوليين، والمؤرخين، ولتوضيح هذه المسألة نقول:
الصوفية المعاصرون هم أتباع الطرق الصوفية المعروفة، كالقادرية، والشاذلية، والرفاعية، والنقشبندية وغيرها من الفرق المنتشرة على الساحة، وهذه الفرق ليست على طريقة الفضيل، ولا معروف الكرخي، وإنما هي على طريقة الحلاج، وابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والغزالي وأمثالهم، وهؤلاء المذكورون جميعاً من أصحاب التصوف المنحرف الفلسفي، وأفضلهم الغزالي، ومع ذلك فإن له في التصوف ضلالات كبيرة، نسأل الله أن يعفو عنه.
هذا التصوف الذي انحرف به المتأخرون عن طريق الزهاد، والعباد إلى طريق غلاة الباطنية كما يقرر ذلك العلامة ابن خلدون - رحمه الله - حيث قال: ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف، وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملؤوا الصحف منه، مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره، وتبعهم ابن عربي، وابن سبعين، وتلميذهما ابن العفيف، وابن الفارض، والنجم الإسرائيلي في قصائدهم، وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضاً بالحلول، وإلهية الأئمة مذهباً لم يعرف لأولهم، فأشرب كل واجد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم. «المقدمة» لابن خلدون (ص619-621) .
وقال الصوفية بفكرة معراج النفس، والمقصود به غير الصوفية المعتدلة التصفية النفسية الأخلاقية، وقصد به أهل الحلول والاتحاد نوعا من المعراج يختلف أشد الاختلاف عن الصورة القرآنية للمعراج.
وأظهر الغلاة كما يقول المؤرخون الزهد والتقشف، قال ابن الأثير: إنهم تعلموا الشعوذة والنيريجات والنجوم والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم وعلى العامة بإظهار الزهد.
وذكر ابن حجر أن المغيرة «المغيرة بن سعيد البجلي» تعلم السحر، وكان ساحراً وكان سبئياً، وصاحب نيريجات، بل إن عبد الله بن معاوية نفسه كان يظهر الزهد، ويلبس الصوف «لسان الميزان» (6/88-91)، ومع هذا يكون غلاة الشيعة من أوائل من لبس الصوف، وأظهر الزهد، وبذلك يبدو لنا واضحاً مقدار الصلة بين التشيع المغالي في الكوفة، وبين التصوف.
وسنلاحظ أن لهذا الاتصال وغيره من الاتصالات الأثر الكبير في بناء صرح التصوف الفلسفي، «فلسفة التصوف من خلال النشأة والتطور» (ص136-139).
بقي أن أؤكد بعد هذا العرض أن هذه العقائد والأصول جميعها موجودة لدى متصوفة اليوم، ولم تتبرأ منها طريقة من طرقهم القائمة، بل إن بعض تلك الطرق لديها من العقائد الشركية والمنحرفة زيادة على ما ذكر.. والله المستعان.

رسائل الغزالي

وللاطلاع على ما عند الغزالي من الانحراف في التصوف اقرأ آخر كتاب «الإحياء» (4/503) طبعة دار الحديث بمصر، تحت عنوان: «بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم» وكتاب: «المضنون به على غير أهله» ضمن مجموعة «رسائل الإمام الغزالي»، طبع دار الفكر ببيروت، الطبعة الأولى (1419 هـ _ 1998م ) والكتاب، يقول عن زيارة قبور الصالحين والعلة فيها: «أما التقرب لمشاهدة الأنبياء والأئمة، عليهم الصلاة والسلام، فإن المقصود منه الزيارة والاستمداد من سؤال المغفرة وقضاء الحوائج من أرواح الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام، والعبارة عن هذا الإمداد الشفاعة، وهذا يحصل من جهتين: الإستمداد من هذا الجانب، والإمداد من الجانب الآخر ولزيارة المشاهد أثر عظيم في هذين الركنين، أما الاستمداد فهو بانصراف همة صاحب الحاجة باستيلاء ذكر الشفيع والمزور على الخاطر حتى تصير كلية همته مستغرقة في ذلك، ويقبل بكليته على ذكره وخطوره بباله وهذه الحالة سبب منه لروح ذلك الشفيع، أو المزور حتى تمده تلك الروح الطيبة بما يستمد منه» «مجموعة رسائل الإمام الغزالي» (ص356) .
إذاً فالطعن في التصوف، إنما هو طعن في تلك العقائد المنحرفة، وذلك السلوك الشائن والبدع العلمية والعملية التي استقر عليه حال المتصوفة وطرقهم التي لا يعرف الناس التصوف إلا من خلالها.
وجميع هذه الطرق مبنية على التصوف الفلسفي، وجميع من ذكر اسمهم هم عند صوفية اليوم من كبار الأولياء، كالحلاج فهو عندهم قطب من الأقطاب، وابن عربي هو الشيخ الأكبر، وابن سبعين هو وابن الفارض سلطان العارفين، وأبو مدين القطب الغوث.
هذه هي منزلة هؤلاء عند المتصوفة المعاصرين، وأما مشايخ تلك الطرق إذا استثنينا الشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي كذب عليه ونسب إليه زوراً ما لم ينسب إلى شيخ من الشيوخ، فإنهم لا يقلون ضلالاً عمن سمينا.
وإذا كان الكلام المكتوب لا يكفي، فإن جولة على معاقل تلك الطرق، وزيارة لأشهر مقامات القوم ومشاهدهم، سوف تبرهن على من أقول أعظم مما دونته الأقلام.
فمن باب الزهد المزعوم دخلوا إلى أقصى درجات الترف، ومن باب التوكل المدعى وصلوا إلى حضيض الشرك، ومن باب جهاد النفس وتصفيتها تفشت لديهم من المعاصي الأخلاقية ما لا يليق نشره، حتى ضج الكثير منهم مما جنى عليهم صحبة المردان والنسوان من الفساد العظيم، واقرأ ما كتبه عنهم الإمام ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» والقصائد الرنانة التي نظمها الإمام ابن المقري الزبيدي، وهي في مجموعه، وكلا الرجلين لا علاقة له بابن تيمية ولا اتباعه.

حقيقة علي الجفري

وإذا كانت تلك حقيقة أرباب التصوف القدماء ومدارسهم فلابد من الإشارة إلى مريديهم المعاصرين أمثال علي زين العابدين بن عبد الرحمن الجفري، الذي أصبح من نجوم الفضائيات، وأصبح له جمهوره الكبير بسبب أسلوبه البليغ، وأصبح يحبه ويعجب به الكثيرون من المثقفين وغير المثقفين، وهذه ميزة لا نحسده عليها، ولا نحقد عليه من أجلها، فإن لنا من العلماء والدعاة - أهل السنة السائرين على منهج السلف الصالح - المئات ممن لهم الجماهير العريضة والقواعد المعجبة والمحبة، ولكننا نخاف على تلك الجماهير المعجبة بالجفري من السموم التي بدأ يبثها في حديثه، وذلك لمعرفتنا به، وبمدرسته الصوفية التي ينتمي إليها، وهي «الطريقة العلوية »المتفرعة عن «الطريقة المدينة» المنسوبة إلى صوفي المغرب المشبوه شعيب أبي مدين أحد شيوخ ابن عربي الحاتمي الزنديق.
فالطريقة العلوية هي إحدى الطرق الصوفية المعاصرة تشابهها وتشترك معها في معظم ملامحها العامة وأصولها، وتتبنى العقائد نفسها، وتشاطرها البدع العلمية والعملية. والشطحات والدعاوى الزائفة.
وهي تنتمي إلى الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي المتوفى سنة 653هـ ، ومن شطحاته الشهيرة، ما رواه صاحب كتاب «الجوهر الشفاف» قال:
روى المشايخ - رضي الله عنهم - أن شيخ شيوخنا الشيخ الفقيه محمد بن علي - رضي الله عنه - خرج ذات يوم إلى شارع من شوارع تريم، وكان ذلك الشارع مطروقاً، فوقف الشيخ فيه، فمر به بدوي معه جمل عليه سعف، فساومه الشيخ في السعف، فأبى البدوي أن يبيع السعف للشيخ بالذي أراد، فقال الحاضرون: بع السعف للشيخ وألحوا عليه، فأبى البدوي، فأتى إليه الفقيه الأجل الإمام الأكمل أحمد بن عبد الرحمن أبو علوي، وقال له: بع الشيخ السعف بما أراد، فإن الشيخ كذا وكذا، وذكر شيئاً من مناقب الشيخ، فقال له البدوي: هو الشيخ محمد بن علي «الله» فلما سمع الشيخ ذكر الله، قال بأعلى صوته: نعم، نعم «أنا الله» وسقط مغشياً عليه، وكان الفقيه الكبير، الولي الشهير، العارف بالله، الخبير العالم الرباني محمد بن أبي بكر عباد - رضي الله عنه - إذا حدث بهذه الحكاية وبلغ إلى قوله: نعم «أنا الله» يأتي برفع صوته حسب ما يقدر عليه، وقال حاكياً عنه: نعم أنا الله - رضي الله عنهما ونفعنا بهما- «الجوهر الشفاف» (ص92).

شطحات

وله شطحات أخرى اعتذروا عنه بأنه قالها في حال السكر مثل «ما لي حاجة بمحمد ومحمداه» المصدر نفسه (ص92)، ومما روى صاحب ذلك الكتاب أيضاً: قال: روى المشايخ - رضي الله عنهم - كيف اعترته غيبة آخر عمره، وما كان يحكي فيها من الأمور الغيبية، التي وقعت، كما قال إلى أن قال: وكان يقول له في تلك الغيبة الخضر أو غيره: كل نفس ذائقة الموت، فيقول: ما لي نفس، فيقول له: كل شيء هالك إلا وجهه، فيقول: أنا من نور وجهه (ص91) .
وهذه الشطحات يعدونها من أكمل مناقبه، وأعظم كراماته، ولا يكاد مترجم له، ومعدد لكراماته يتجاوزها، بل يحكيها ضمن مناقبه وكراماته، وقد صوره مترجموه صورة خيالية أسطورية لا يكاد يبلغها بشر، فمن ذلك أنه يتصرف في الكون في حياته، وبعد مماته، كما قال صاحب «شرح العينية»: وكان سيدنا الفقيه من الممكنين في التصريف بعد موتهم، قال المشايخ العارفون: ما صلينا على جنازة إلا والفقيه محمد بن علي بعد موته يصلي عليها معنا (ص161) .

 

صفحات مميزة



آخر الأخبار



معرض الصور