||

بسم الله الرحمن الرحيم

المعتزلة في نظر أهل السنة *

 

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل وبقايا من أهل العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائهٍ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس،  و ما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين ( [2] ) .

وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محمدٍ الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد :

 

:إنذار النبي صلى الله عليه وسلم بحلول الفتن

لقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بوقوع الفتن والافتراق، وحذرهم من المسارعة في ذلك، ودلهم على سبيل الخلاص منه، وذلك من كمال نصحه وشفقته على هذه الأمة .

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله :r { إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة }( [3] ) ، فهذا حديث صحيح رواه جمع من المخرجين عن جمع من الصحابة بألفاظٍ متقاربة كلها تفيد هذا المعنى، وهو أن هذه الأمة ستفترق، وأن الناجي من هذه الفرق فرقة واحدة سمّاها في هذا الحديث الجماعة، وقد بين صفات هذه الجماعة في لفظٍ آخر فقال r : { هم من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي }( [4] ) .

 

وفي حديث العرباض بن سارية t وضح رسول الله r الفتنة والعصمة منها، فقال r :{ وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً }( [5] )، هذه الفتنة فما العصمة منها، قال :r{ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعة ضلالة }( [6] ) ، ووقع ما حذر منه النبي r، وافترقت الأمة وكان لهذا الافتراق أسباب منها بل من أهمها الاقتباس الفكري عن الأمم الأخرى، ومن ذلك علم الكلام الذي اقتبسه بعض علماء ومفكري وقادة المسلمين من فلاسفة اليونان، إذ ما تُرجم هذا التراث ووصل إلى أفكار بعض المثقفين إلا وأشاع التباين في آرائهم، وظن بعضهم أنه يمكن الوصول إلى حقائق علم التوحيد وما يجب معرفته عن الله من غير طريق الوحي، وسلكوا هذه المفاوز والمتاهات فضلَّ كثير منهم ولم يصل إلى مقصوده.

تعريف علم الكلام وتاريخ نشأته

 

علم الكلام عرّفه بعض المتكلمين بأنه: ( العلم بالعقائد الدينية عن طريق الأدلة اليقينية )( [7] ) ويقصدون بالأدلة اليقينية أي أدلة العقل، وعرّفه ابن خلدون فقال: ( هو الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية )( [8] ) ، وقد رفض أهل السنة هذا المنهج في إثبات العقائد قائلين: إنه لو كان العقل وحده كافٍ  لإثبات العقائد ومعرفة الشرائع لما احتيج إلى الرسل والكتب والنبوات، وما كان الله ليصنع ذلك عبثاً، وإليك أقوال بعضهم في هذا، واقتصر على المشاهير :

قال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - وقد سُئل: ما تقول فيما أحدث الناس من كلام في الأعراض وفي الأجسام؟  فقال: ( مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها       بدعة )( [9] ) ، وقال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" : ( أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلمٍ فهو من أهل الأهواء والبدع )( [10] ) فهذا كلام مالك، وأما الإمام الشافعي - رحمه الله - فله في ذلك كلام كثير، منه ما رواه أبو ثور - رحمه الله - قال: سمعت الشافعي يقول : ( حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويُحملوا على الإبل، و يطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُنادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام)( [11] ) .

وإليك هذه المحاورة بين الإمام أحمد- رحمه الله - وأحد طلابه، سأل الطالب الإمام عن أهل الكلام فقال: ( لا تجالسهم ولا تكلم أحداً منهم ) فقال الطالب: ( إنني ربما رددت عليهم ) ، قال ( اتق الله ولا ينبغي أن تنصِّب نفسك وتشتهر بالكلام، لو كان في هذا خيراً لتقدمنا إليه الصحابة، هذه كلها بدعة ) فقال الطالب : ( إنني لست أطلبهم ولا أدق أبوابهم ولكنني سمعتهم يتكلمون بالكلام ولا أحد يرد عليهم، ولا أصبر حتى أرد عليهم ) قال أحمد: ( إن جاءك مسترشداً فأرشده ) وكررها مراراً ( [12] ).

هذه أقوال الأئمة الأربعة ولغيرهم أكثر من ذلك، قال أبو عمر ابن عبد البر-رحمه الله- في كتابه السابق: (أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان...)( [13] ) الخ .

وكان علم الكلام قد تسرب إلى الفكر الإسلامي عن طريق بعض المسلمين من الأمم الأخرى، الذين كانوا يخوضون في ذلك العلم؛ فنقلوه بدورهم إلى إخوانهم من العرب، وربما كان دخول بعضهم لاعن قناعة في الإسلام، وإنما تظاهراً لأجل الكيد لأهله، ووَجد أن أهم الأسلحة التي يفتن بها المسلمين سلاح الغزو الفكري؛ فاستعمله وفتن به طوائف من المسلمين، ثم إن بعض الخلفاء كالمنصور والمهدي والرشيد أُقنعوا بترجمة كتب الفلسفة اليونانية والإغريقية، ففعلوا وكان ذلك بواسطة مجموعة من النصارى المحتفين بهم كأطباء ونحو ذلك، وكانوا يغدقون عليهم العطاء فاستفادوا من جهتين حيث استنـزفوا أموال المسلمين، وسمموا عقول بعضهم، وكان أول من ألَّف في علم الكلام واصل بن عطاء إمام المعتزلة كما ذكر ذلك أبو هلال العسكري في كتابه "الأوائل" ( [14] )..

الفرقة الناجـية والطائفة المنصورة

ومع ذلك كله فقد بقي السواد الأعظم من المسلمين يقدُمهم طائفة من العلماء الأعلام والأئمة المهديين، بقوا على العهد الأول والصراط المستقيم على هدي النبي r وأصحابه y، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله -: ( ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )( [15] ) ، وتلك هي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي بشر بها النبي r في أحاديث كثيرة: منها حديث معاوية t قال : سمعت رسول الله r يقول : { لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس }( [16] ) .

وبعد هذا التمهيد الذي ليس عن موضوعنا ببعيد ندخل إلى ما نريد فنقول :

المعتزلة وتعريفها

اشتهرت هذه الفرقة من بين فرق المسلمين ( بالمعتزلة )، ورضيت هي بهذا الاسم ولم تنفر منه، قال أبو هلال العسكري- رحمه الله- في كتابه "الأوائل": ( والمعتزلي راضٍ باسم الاعتزال، غير نافرٍ منه ولا كارهٍ له ولا مستبدلٍ به ) ( [17] ) لكنهم هم يفضلون أن يُسموا بـ" أهل التوحيد والعدل "      أو " العدلية "، أما خصومهم فيطلقون عليهم أحياناً " القدرية " وأخرى " المعطلة "وتارة" الجهمية " .

وقد اختُلف في سبب تسميتهم بالمعتزلة على أقوال، أشهرها أن ذلك أطلق عليهم حينما اعتزل رئيسهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مجلس الحسن البصري فقال لهم الحسن أو بعض أصحابه : أنتم المعتزلة، فلصق بهم ذلك الاسم ( [18] )، وقيل: ( لأنهم امتداد لمن اعتزل القتال بين علي tومعارضيه ) ( [19] )، وقيل غير ذلك، حتى لقد ذكر أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" أنه قرأ في كتاب المقريزي " الخطط " أن هناك فرقة من اليهود يقال لها ( الفروشيم ) وقال: إن معناها المعتزلة، وأنها كانت تقول بالقدر، فلا يبعد أن يكونوا سُموا بذلك تشبيهاً لهم بهذه الطائفة اليهودية من هذه الناحية ( [20] )، قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية ": ( وإن التشابه كبير بين " معتزلة اليهود " و " معتزلة الإسلام " إذ الجميع يفسرون دينهم على مقتضى منطق الفلاسفة ) ( [21] )، أما اسم أهل التوحيد والعدل أو العدلية فنسبة إلى أصلَين من أصولهم الخمسة هما: التوحيد والعدل كما سيأتي، وأما تسميتهم بالقدَرية فلنفيهم القدر، وأما المعطلة فلأنهم يعطلون صفات الله تعالى أي ينفونها، وأما الجهمية فلأنهم يُشبـِهونهم في التعطيل.

وحقيقة المعتزلي أنه مَن آمن بالأصول الخمسة، قال أبو الحسن الخياط في كتابه "الانتصار": ( وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة ) ( [22] )، أما أهل السنة فيطلقون اسم المعتزلي على من تشبَّه بهم في نفي الصفات حتى ولو لم يقل ببقية أصولهم .

والمعتزلة عند أهل السنة من الفرق الضالة، ولا يعني هذا خروجهم عن الإسلام أو تخليدهم في النار، فهذا الحكم لا يطلقه أهل السنة على أحد من الفرق الاثنتين والسبعين، بل يقولون إنهم ضلّال مستحقون لدخول النار غير مخلدين، وأمْرُهم إلى الله إن شاء غفر لهم وعفا عنهم وأدخلهم الجنة مباشرة، وإن شاء عذبهم بما يستحقون ثم مصيرهم إلى الجنة، هذا هو الحكم العام الذي يلتزمه أهل السنة مع إخوانهم من بقية الفرق الإسلامية.

نشأة المعتزلة

لم تنشأ المعتزلة من فراغ، ولكن هناك روافد جمة وعوامل مختلفة ساعدت على نشأتها يمكن إجمالها في الآتي:

•1- الفتن التي جرت بين الصحابة بعد مقتل عثمان t، .

•2- ظهور الأحزاب السياسية مثل الخوارج والرافضة والناصبة وغيرهم كان من العوامل التي أوحت لأوائل المعتزلة ببعض أصولهم مثل المنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد.

•3- تسرُّب الثقافات الأجنبية إلى الفكر الإسلامي شارك هو الآخر بإدخال بعض أصول المعتزلة الأخرى مثل القدَر الذي أخذوه عن معبد الجهني وغيلان الدمشقي وأصحابهما.وكانت البصرة التي نبتت فيها شجرة المعتزلة موئل القدرية، وكذلك ما يسمونه بالتوحيد الذي أخذوه عن الجهم بن صفوان والذي يُقال أنه أخذه عن الجعد بن درهم، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان النهدي، و أخذه أبان عن طالوت اليهودي ابن أخت لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي r، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يسمونه والذي أخذوه عن الجهم فقد كان الجهم من الخارجين على بني أمية مع الحارث بن سريج حتى قتلهم عام  128ﻫ ، فلعل جهماً كان ينشر هذه الفكرة التي طبقها عملياً في خروجه على بني أمية مع قائده الحارث بن سريج.

وبهذا نعرف كيف توافدت أفكارهم حتى تمت، ثم تطورت واختلفوا على كثير من المسائل، وأصبح لكل واحد من كبارهم فرقة تخصه وتسمى باسمه حتى ذكر منهم البغدادي في الفرق بين الفرق اثنتين وعشرين فرقة، قال واثنتان من هذه الفرق من جملة الغلاة في الكفر ( [23] ).

مصدر التلقي بين المعتزلة وأهل السنة

إن الذي يميز أهل السنة عن غيرهم من الفرق الأخرى أنهم لا مصدر لهم يتلقون منه عقائدهم وأعمالهم وتصوراتهم إلا الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ، وهذه المصادر معصومة لا يتطرق إليها الخلل؛ وللتدليل على ذلك موضعه من كتب العقائد والأصول، أما المعتزلة فمصدر تلقيهم العقل الذي ضخموه وهوّلوا موقعه ومكانه، وردوا لأجل ما زعموه من براهين عقلية الكتاب والسنة، وتأولوا الآيات والأحاديث وتعسفوا في ذلك غاية التعسف؛ ليخضعوها لبراهينهم المزعومة التي لم يتفقوا عليها ولم يقرهم عليها خصومهم؛ مما دلّ على تهافتها وسقوطها، ولقد اعترف بخطئهم رجل من أحفل الناس بهم وأشد الناس لهم إطراءً وبهم إعجاباً ذلكم هو الدكتور أحمد أمين - رحمه الله -    فقد نعى عليهم هذا المسلك في أكثر من موضع من كتبه وها هو يقول في أحد المواضع ( ربما أخذ عليهم أنهم في سيرهم هذا وراء السلطان العقلي قد نقلوا الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية ، وهذا النهج إذا صح أن يقتصر عليه في الفلسفة فلا يصح أن يقتصر عليه في الدين لأن الدين يتطلب شعوراً حياً أكثر مما يتطلب قواعد منطقية ، فالدين ليس كالمسائل الرياضية ولا كالنظريات الهندسية تطلب من العقل حلها وفي ذلك كل الفناء بل الدين أكثر من ذلك يتطلب شعوراً يدعو إلى العمل وحرارة إيمان تبعث على التقوى ) ([24])، أما الشيخ أبو الحسن الندوي - رحمه الله - فيقول: ( لقد كان هذا الاتجاه العقلي الذي تزعمه المعتزلة والذي كان يقوم على تمجيد العقل وتأليهه وإخضاع النظام الديني بما فيه من عقائد وحقائق ، بل إخضاع الذات والصفات والأفعال الإلهية له وعلى قياس الغائب على الشاهد اتجاهاً خطراً على الإسلام ، وفتح باب فساد عظيم في المجتمع الإسلامي ) ([25]) .

بل لقد رفض هذا المنهج كثير من أساطينه، وتبرأ منه وكشف عواره كثير أيضاً ممن خاض لججه وغاص في أعماقه، ثم رجع نادماً يتحسر على ضياع عمره فيما لا فائدة ولا غناء فيه، فهذا الإمام   أبو الحسن الأشعري - رحمه الله - كان في حجر أبي علي الجبائي -  شيخ المعتزلة في وقته وإمامهم -فتلقَّّى عنه ذلك المذهب وبرع فيه وألّف وناظر، حتى كان أبو علي إذا دهمه الحضور في مجلس مناظرة دعا الأشعري وقال له: ذبّ عني فيفحم الخصوم، ومكث على ذلك أربعين سنة، ثم هداه الله وعرف أنه لم يكن على شيء، فمكث في بيته خمسة عشرة يوماً يجيل النظر ويستهدي الله، حتى اتضح له خطأه، وأن الحق هو ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم ، ثم إنه خرج إلى مسجد الجامع بالبصرة ورقى كرسياً، ثم نادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد بالرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم، ذكر هذا الندوي عن ابن خلكان ( [26] )، وغير الأشعري كثير ممن اتضح لهم بعد العمر المديد والعناء الشديد أن ما حصّلوه من ذلك المنهج إنما هو كلام في كلام، لا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً حتى قال قائلهم :

 

نهايةُ إقــــــدام العقولِ عقـــــــــالُ

وأكثرُ سعي العالمين  ضلالُ

وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا

و حاصلُ دنيانا أذىً و بالُ

 

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قِيل وقالوا ( [27] )

       

الأصول الخمسة

 

وبناءً على سلوكهم هذا الطريق واقتفائهم هذا المنهج استقروا على خمسة أصول، بنوا عليها مذهبهم، وأقاموا عليها فرقتهم، واعتبروا أن من قَبِلها وقال بها جميعاً أنه منهم، ومن رفض واحداً منها أو خالفهم فيه فليس منهم كما مر، وهذه الأصول هي :

1 - التوحيد 2- العدل        3 - إنفاذ الوعيد       4- المنزلة بين المنزلتين

5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وإليكم بيان هذه الأصول :

•1- الأصل الأول: التوحيد: ويقصدون به تعطيل الباري سبحانه وتعالى من الصفات، هرباً من تعدد القديم كما زعموا، وإليكم مجمل قولهم في ذلك كما رواه عنهم الإمام أبو الحسن الأشعري - رحمه الله - في "مقالات الإسلاميين": ( أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبح، ولا جثة ولا صورة، ولا لحم ولا دم ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم،     ولا مجسة، ولا بذي حرارة وبرودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق،   ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات ولا يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ...الخ ) ( [28] ) الكلام الطويل الذي نقله عنهم والذي كله نفي، حتى يخيل للقارئ أنهم لا يثبتون إلهاً أصلاً، كما قال عنهم بعض السلف أنهم يريدون أن يقولوا ليس في السماء إله يعبد ( [29] )، وهذا لازم كلامهم، غير أني لا أعتقد أنهم يريدون ذلك وإنما حملهم على ذلك مبالغتهم في التنزيه، وأصولهم الكلامية التي نصبوها لأنفسهم .

•2- الأصل الثاني: العدل : ويعنون به نفي القدر، وأن الإنسان يخلق أفعال نفسه، وبذلك سُموا  { مجوس هذه الأمة }( [30] ) لإثباتهم خالِقَين كما قالت المجوس: إن للكون خالِقَين، خالق للخير وهو النور وخالق الشر وهو الظلمة، وهم بذلك قد جحدوا الركن السادس من أركان الإيمان- الإيمان بالقدر -، وقد اشتد نكير الصحابة رضوان عليهم على من أنكر ذلك، كما روى مسلم من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه حينما سمع قول القدرية قال: (أبلغوهم أني بريء منهم وأنهم مني برءآ حتى يؤمنوا بالقدر خيره وشره من الله U )( [31] ).

وهم بهذا الأصل يريدون تنـزيه الله عن الظلم، إذ كيف يقدّر على العبد المعصية ثم يعاقبه عليها، ولم يفهموا إثبات القدر إلا أنه الجبر على الأفعال دون اختيارٍ للعبد، وهذا قول باطل مقابل لقول القدرية الباطل أيضاً، وأهل السنة يتوسطون في ذلك فيثبتون للعبد مشية وإرادة واختياراً، كما قال الله تعالى {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }( [32] ) فالعبد له مشيئته غير أنه لا يحدث في الكون شيء إلا بإذن الله ومشيئته، وليس في هذا ظلم من الله لعباده؛ لأن العبد يعمل باختياره، وهو يستطيع أن يعمل أو يترك أو يقدم أو يحجم بدون إجبار أو إكراه: { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } ( [33] ).

وقد لزم المعتزلة من التزامهم هذا الأصل محاذير كثيرة: منها نسبة خلق الأفعال إلى الخلق دون الله U، وكذلك نفي علم الله تعالى بهذه الأعمال حتى تقع، وفي هذا رد لأحاديث كثيرة تثبت أن الله علم كل ما هو كائن قبل أن يخلق الخلق ثم كتب ذلك عنده، وعلى كل حال فمرادنا بيان لمجمل ذلك لا الاستقصاء عنه.

•3- الأصل الثالث: إنفاذ الوعيد: ومعناه أن الله إذا أوعد على ذنبٍ من الذنوب أو عملٍ من الأعمال، أو أوعد شخصاً من الأشخاص بعقوبة أو عذابٍ فلابد أن ينجز ذلك الوعيد، فإخلافه قبيح كقبح إخلاف الوعد، وقد غلطوا في  هذا غلطاً بيناً وخالفوا العقل والنقل، أما العقل فكل عاقل يحمد العافين عن الناس، والكل يثني على من عفا عمن استحق عقوبة وقدر على إيقاعها به ثم عفا عنه، بل هذا من شيم الكرام عند جميع الناس، فكيف لا يكون كذلك عند الله U وهو أكرم الكرماء وأرحم الراحمين وهو الغفور الودود، وأما النقل فالآيات كثيرة في إثبات عفو الله وغفرانه لمن يشاء من عباده العصاة، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } ( [34] )  ، فالداخل في المشيئة هنا هو من مات على الذنب ولم يتب منه، أما من تاب قبل الموت فهذا غير داخل في ذلك أصلاً؛ لأن التائب حتى من الشرك يغفر الله له ، إذن فالمتروك لمشيئة الله هو من مات بغير توبة.

ومن السنة أحاديث كثيرة متواترة في الشفاعة للعصاة وإخراج بعضهم من النار بعد دخولها، وبسبب تمسك المعتزلة بهذا الأصل ردوا هذه الأحاديث مع تواترها معنوياً وتعسفوا في تأويل الآيات، وهكذا يصنع الهوى بأصحابه.

•4- الأصل الرابع: المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل هو أول أصلٍ لهم خرجوا به عن جماعة المسلمين، حينما قرره واصل بن عطاء في مجلس الحسن البصري -رحمه الله-؛ وذلك أن النزاع كان محتدماً بين الخوارج ومن وافقهم من القائلين بإكفار مرتكبي الكبائر وبين المرجئة الذين يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية، فلما رأى واصل تطرف الفريقين في ذلك جاء بأصله هذا متوسطاً به بينهما، ولم يهده الله لما هداه إليه أهل السنة من المذهب الحق وهو أن صاحب الكبيرة مؤمن بما عنده من المعرفة والتصديق وبقية شعب الإيمان، وفي نفس الوقت فاسق لمقارفته هذه المعصية، ومن هذا الأصل والذي قبله توصلوا إلى القول بخلود أهل المعاصي في النار موافقين بذلك الخوارج، وإن لم يقولوا بكفرهم كما قالت الخوارج .

وبهذين الأصلين يفتضح أكثر المعجبين بالمعتزلة والمروِّجين لأفكارهم من المعاصرين، حيث يفترض فيهم أن يلتزموا بأصولهم كلها، ومنها هذان الأصلان اللذان ينفيان الإيمان عن العصاة ويحكمان بخلودهم في جهنم، ولكن الذي نراه أن هؤلاء الناس من أكثر الناس انحرافا عقائدياً وعملياً ووقوعاً في الكبائر المتفق عليها فضلاً عن المختلف فيها، وهم مع ذلك يتشدقون بأنهم أكمل الناس إيماناً وأنهم سيدخلون الجنة قبل المتزمتين من الدعاة والعلماء وأصحاب المساجد، هكذا يزعمون.

إذن فالأمر ليس أمر اقتناع ولكنه الهوى.

وحقيقة أخرى هي أن المعتزلة بهذا الأصل تريد أن تحمي شرع الله ومنهجه، وتحارب من أخلّ به أو انحرف عنه، بينما المتشدقون بإتباعهم لها لا يرضون حكم الله ويسلمون له ويحاربون لإقصائه، فكيف تصح لهم هذه الدعوى؟!.

•5- الأصل الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

ومعناه الخروج على أئمة الجور والحكام الظلمة بالسيف وإقصائهم عن حكم المسلمين، بل إنهم ليرون الخروج حتى بمجرد فسق الحاكم أو اعتقاده خلاف عقيدتهم كما ذكر ذلك الأشعري عنهم ( [35] )، وهذا الأصل يفتح الباب واسعاً أمام أهل الأهواء وأصحاب الأغراض في خلق المعاذير لقيامهم بالانقلابات والفتن باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشيع العنف في الأمة، ولو أنهم التزموا ما أمر الله U به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإسداء النصح والصبر على ذلك لما فتح هذا الباب، ومع ذلك فإن الله أذن كما أخبر النبي r إذا تعدى الحاكم طوره، وخرج عن دين الأمة ووقع في الكفر البواح، أن يخرج عليه ويزال عن رقاب المسلمين إن أمكن ذلك، وأهل السنة أسعد الناس بهذا، ومع ذلك فأصحاب هذا المنهج أو المتسترون به يرمون أهل السنة بالعنف والدموية، ولله في خلقه شؤون .

مواقف أخرى للمعتزلة

ومع هذه الأصول التي عرفناها، فللمعتزلة مواقف أخرى غير حميدة؛ ألجأهم إليها منهجهم العقلي ومذهبهم الفلسفي من ذلك:

موقفهم من الحديث النبوي :

•1 موقفهم من الحديث النبوي ورجاله فقد ردوا أكثر الحديث، حيث اتخذوا لهم أصلاً لرده وهو عدم العمل بحديث الآحاد، وخالفوا بذلك سلف الأمة قاطبةً، بل خالفوا تصرفات النبي r الذي كان يبعث الرجل الواحد لدعوة القبيلة أو القطر بأكمله، فيدعوهم إلى العقائد والأعمال، وتقوم بذلك الحجة عليهم، كما أرسل معاذاً إلى اليمن وغيره إلى غيرها، وأما رجال الحديث وحفاظ الآثار فقد نبزوهم بأقبح الألقاب، ووصفوهم بأبشع الأوصاف، ذلك لأن بضاعتهم - الحديث النبوي - يقف في طريقهم ويكشف باطلهم، فأحبوا إزاحته من طريقهم بتشكيك الناس في حملته، كما يفعل العلمانيون اليوم في شنهم الحملات على علماء ودعاة الإسلام.

•2 كما كان لهم موقف آخر مع الصحابة رضوان الله عليهم الذين زكاهم رب العالمين وشهد لهم بالخيرية الصادق الأمين r،فقد وصفوا أبا بكر t بالتناقض، وكذّبوا أبا هريرة وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وفسَّقوا كل من اشترك في الحرب بين علي ومعارضيه، حتى قال واصل: ( لو شهد علي وطلحة ، أو علي والزبير ، أو رجل من أصحاب علي ورجل من أصحاب الجمل، عندي على باقة بقلٍ لم أحكم بشهادتهما لعلمي أن أحدهما فاسق لا بعينه كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين لعلمي بأن احدهما فاسق لا بعينه ) ( [36] ) .

•3 أما ثالثة الأثافي فهي وصمة العار التي جعلوها نكتة سوداء في جبين التاريخ الإسلامي، وهي محنة  القول بخلق القرآن، إذ توصلوا بمقتضى منهجهم المنحرف إلى أن القرآن مخلوق وليس كلاماً لله U، ثم ضخموا هذه القضية تضخيماً عجيباً حتى أمست قضية القضايا، وصار الناس لا كلام لهم إلا فيها، ثم أقنعوا بها المأمون الخليفة العباسي المشهور حينما أحاط به ثلة منهم برئاسة أحمد بن أبي دوؤاد القاضي، وحملوه على إشاعتها في الأمة وإجبارهم عليها؛ فاقتنع بها عام ( 212 ) ثم تدرج في ذلك حتى كان عام ( 218هـ )، وهو العام الذي مات فيه فأصدر أوامره وكتبه المشهورة بمحنة الناس بها وضيقوا على الناس ضيقاً شديداً، ففصلوا من الوظائف من لا يقول بذلك، وردوا شهادته ومنعوا أعطيته، بل منعوا العلماء الذين لم يقولوا بذلك من الإفتاء والتدريس والجلوس إلى الناس، ثم أمروا بحبس من لم يجبهم إلى طلبهم، فحبسوا أمماً من العلماء مات كثيرٌ منهم في السجون، وممن مات في السجن البويطي صاحب الشافعي، وقتلوا بعضاً منهم أحمد بن نصر الخزاعي ، وأما الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -فله في ذلك قصة مشهورة وحكاية طويلة، وقد ألّفت في قصته معهم الكتب، حيث مكث في سجنهم ثمانية وعشرين شهراً، وألبس أثقل وأضيق القيود، وضُرب حتى تمزق ظهره وخلع كتفاه، وطُوي في بساط ثم ديس عليه، كل ذلك وهو صابر محتسب ثابت على عقيدته حتى نصره الله وكان سبباً في هزيمة المعتزلة وأفول نجمهم، وقبرهم في بطون الكتب إلى الأبد كما صرح بذلك كثير من المؤرخين.

حقيقة حرية الفكر عند المعتزلة

لقد روج وأشيع أن المعتزلة رواد التحرر الفكري والشجاعة الأدبية ... إلى آخر ما يقال عنهم، ونحن بما قدمنا في الفقرة السابقة قد كشفنا عن جزء يسير من هذه الحرية .

إذ الحرية عندهم أن يتمردوا عن الأصول والضوابط والقيم التي أجمع عليها المسلمون، فلهم أن يخالفوا القرآن والسنة وجماعة المسلمين دون أن يكونوا في نظر أنفسهم مخطئين، لكن إذا تمكنوا وأمسكوا بزمام الأمور فالويل كل الويل لمن خالفهم، فهناك تُصادر الحرية ويُحجر على العقول ويحتكر الحق في جانب واحد لا غير دون سند من كتاب أو سنة أو إجماع، وهذه النظرية التحررية ما يزال يجترها دعاة التحرر والديمقراطية إلى يومنا هذا في كل البلاد العربية الإسلامية.

فالحرية الشخصية مكفولة، وعليه فالزنا والخمر وغيرهما من الفواحش تعتبر من الأمور الشخصية التي لا يتدخل فيها القانون ولا يتعرض لمرتكبيها، لكن أن يتزوج الرجل بامرأتين بمحض الرضا والاختيار من الطرفين هذا ممنوع وليس من الحرية الشخصية !!!

بل من الحرية الشخصية أن تتعرى المرأة أو تكشف ما تشاء من جسدها، لكن ليس من الحرية أن تحتجب!!!

ومن الحرية الفكرية والسياسية أن يدعو كل ذي منهج إلى منهجه مهما كان فيه من الخروج عن دين الأمة وقيمها، لكن ليس من الحرية أن يدعو المسلم إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله r ، وممنوع أن يقوم حزبٌ على أساس ديني، كل هذا موجود في بلاد المسلمين وكله حرية !!!

سبب إطراء المستشرقين وتلاميذهم على المعتزلة وإبراز تراثهم

إن أعداء الله عرفوا الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله r بصفاته وبخصائصه وميزاته التي حملها الصحابة رضوان الله عليهم، و بها فتحوا الدنيا ورفعوا راية التوحيد عاليةً على أرجاء واسعة من المعمورة، وثلوا بذلك عروشاً وأسقطوا دولاً وأزالوا أمجاداً وهمية لأممٍ وشعوب، وبنوا حضارةً عظيمةً لا يزال العالم يتذكرها بالعرفان والثناء الجميل- عرف الأعداء ذلك، وهم حقاً أعداء لا يريدون أن تتكرر القضية، ولا أن يعود جيل آخر كجيل الصحابة رضوان الله عليهم، فحاولوا أن يسربّوا إلى أفكار المسلمين ما يشوشها ويبطل فاعليتها، فعلوا ذلك قديماً كما سبق بيانه وذلك بإدخال الفلسفة وعلم الكلام والتصوف الغالي ومذاهب الباطنية الإلحادية، وفعلت هذه المذاهب فعلها في المسلمين وضعف شأنهم وخبا نجمهم فترةً طويلة من الزمن، ثم بدأ العالم الإسلامي يتململ ويتأهب لصحوةٍ جديدة، فخاف الأعداء أن يرجعوا إلى النبع الصافي والنور المبين الذي أخرج آباءهم من ظلمات الجاهلية إلى أنوار المجد والعزة والحضارة؛ فبادروا إلى تقديم البدائل التي رجوا أن يوهموا المسلمين أنها دينهم وعقيدتهم ومنهجهم القويم، ولم يعوا أن الله هو الحافظ لهذا الدين، وأن عصابة المؤمنين لا تزال على الحق ظاهرة لا يضرها كيد الكائدين ولا دسائس الحاقدين، فوقفوا بالمرصاد لكل من يحاول صدّ الناس عن دينهم الحق، حتى تبصّر الناس وعرفوا الحق، وعرفوا المراد من إشادة المستشرقين وأذنابهم بهذه المذاهب المنحرفة.

وثَمّ أمر آخر وهو أن أكثر أصحاب المبادئ المستوردة والمناهج الزائفة، عرفوا أنهم في وسط أمةٍ عريقة مرتبطة بتراثها، ضاربة بجذورها إلى أعماق هذا التراث، وأنها لا يمكن أن تنصاع للدخيل من المبادئ والأفكار؛ فأرادوا أن يؤصِّلوا أنفسهم، وأن يصلوا نسبتهم بالدين، ولكن بالدين الذي يتناسب مع أهوائهم وميولهم ووجدانهم، ووجدوا أن ما كان عليه النبي r وأصحابه لا يمكن أن يسعهم     ولا أن يبرر وجودهم؛ ففتشوا عن آراء وعقائد وفلسفات نُسبت إلى الإسلام بأي نسبة كانت، فتجلببوا جلبابها ورفعوا شعارها حتى يوهموا الناس أنهم ينطلقون من الإسلام ، حتى لقد رضي زعيم كبير منهم أن يعتـز بالقرامطة ، تلك الفرقة الظالمة الباغية التي لطخت تاريخنا بالعار والدماء، ولكنهم بعد دراسة متأنية رأوا أن مذهب المعتزلة أنسب المذاهب لهم؛ إذ يستطيعون بواسطة ما فيه من مرجفة متناهية، وانفلاتهم من القيود والضوابط التي تتقيد بها بقية الفرق الأخرى - يستطيعون بذلك أن يسموا كل ما عندهم إسلامياً، وأنهم جروا فيه على طريقة المعتزلة، وهذا المسلك قد سلكه قبلهم كثير من الملاحدة والزنادقة حتى إذا ظهر ما هم عليه تبرأ منهم المعتزلة، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه " تاريخ المذاهب الإسلامية ": ( وكثيرون من ذوي الإلحاد يجدون في المعتزلة عشاً يفرخون فيه بمقاصدهم وآرائهم ويلقون فيه دسهم على الإسلام والمسلمين، حتى إذا ظهرت أغراضهم أقصاهم المعتزلة عنهم، فابن الراوندي كان فيهم، وأبو عيسى الوراق، وأحمد بن حائط، وفضل الحرثي ، كانوا ينتمون إليهم، وهؤلاء أظهروا آراء هادمة لبعض المقررات الإسلامية، وكان منهم من اتهم بأنه استؤجر لليهود لإفساد عقيدة المسلمين ... ) إلخ ( [37] ) .

 

الخاتمة

•1- أولاً: للإنصاف نقول إن المعتزلة وخصوصاً قدماؤهم ممن عُرف بالخير منهم، لم يريدوا بما ذهبوا إليه إلا الخير وذلك ما أوصلهم إليه اجتهادهم وأدّاهم إليه حرصهم على تنـزيه الله وتوحيده، وحرصهم كذلك على حماية الدين ورد كيد الطاعنين فيه وشبههم، ولقد عرف لهم هذا أهل السنة، وإن جرى ذمهم على ألسنتهم فإنما ذلك للتحذير من المنهج المنحرف الذي سلكوه ،لا قدحاًً في نياتهم ومقاصدهم .

وقد ألّف أحد كبار علماء القرن الماضي كتاباً أسماه " تاريخ الجهمية والمعتزلة " ، أنصفهم فيه غاية الإنصاف مع بيانه لخطأ المنهج، ذلكم هو الشيخ جمال الدين القاسمي - رحمه الله -

•2- ثانياً: هذه الفرقة من الفرق الضالة بمخالفتها لما كان عليه الرسول r وأصحابه، وكما سبق لا يعني هذا أنهم كفار أو مخلدون في النار.

•3- ثالثاً: المنهج الذي سلكوه منهج لا يتناسب مع خصائص هذا الدين و لا طبيعته؛ ولذلك حصل منهم الشذوذ الكثير والآراء المستبشعة.

•4- رابعاً: إن كثيراً ممن يشيدون بهذا المذهب إنما يرمون من ورائه إلى أشياء في نفوسهم، وهو أن يتخذوه ذريعةً لإسباغ الشرعية على مناهجهم ومبادئهم الغريبة عن الإسلام.

•5- خامساً: إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، وهو الالتزام الصارم بكتاب الله وسنة رسوله r وهدي السلف الصالح y، ولا يعني هذا رفض الحاضرة المقبولة شرعاً، فإن السلف الصالح قد عاصروا متغيرات وأحداثاً بعد النبي r، وبينوا حكمها وأخذوا منها ما فيه صلاحهم، ورفضوا ما لا يتناسب مع أحكامهم ومبادئهم .

 

[1] ) * محاضرة ألقاها الشيخ أحمد بن حسن المعلم ، للرد على موضوع المعتزلة للدكتور أحمد عارف، ضمن نشاط اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع حضرموت .

 

[2] مقدمة الإمام أحمد  لكتابه الرد على الزنادقة والجهمية (1 / 6).

[3] رواه أحمد( 3 / 145 ) برقم( 12493 )،وابن ماجة (2 /  1322) برقم (3993 ).

[4] ، رواه الترمذي (5 / 26) برقم (2641).

[5] سنن ابن ماجة( 1 / 16) برقم ( 43 )، مسند الإمام أحمد 4( / 126) برقم (17182).

[6] سنن ابن ماجة ( 1 / 16)  برقم (43) ، مسند الإمام أحمد (4 / 126) برقم (17182).

[7] الفواكه الدواني 1 / 38 ، حاشية العطار على جمع الجوامع 2 / 445

[8] مقدمة ابن خلدون ( 1 / 458).

[9] قواعد التحديث ، لمحمد جمال الدين القاسمي( 1 / 298).

[10] جامع بيان العلم وفضله ( 2 / 96).

[11] سير أعلام النبلاء (10 / 29).

[12] تاريخ الإسلام (  18 / 91).

[13] جامع بيان العلم وفضله ( 2 / 95).

[14] ص (134).

[15] الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد( 1 / 6).

[16] رواه مسلم (3 / 1524)، برقم (1037).

[17] الأوائل ص 374

[18] أمالي المرتضى (1 / 167).

[19] دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية ص 89

[20] فجر الإسلام 1 / 344 ، 345 وقد تراجع عن هذا في الطبعة الثانية من الكتاب

[21] تاريخ المذاهب الإسلامية ص 209

[22] الإنتصار ص (126).

[23] الفرق بين الفرق 1 / 93

[24] ........

[25] .........

[26] تاريخ الإسلام 24 / 155 ، سير أعلام النبلاء 15 / 89

[27] البداية والنهاية 13 / 56

[28] مقالات  الإسلاميين  واختلاف المصلين ص ( 155 ).

[29] السنة لعبد الله بن أحمد 1 / ص 118 ، ص 127 ، ص 157 ، ص 170 ، ص 275

[30] التفسير الكبير ( 13 / 187 ).

[31] انظر صحيح مسلم 1 / 37 برقم 8 .

[32] التكوير29_28

[33] فصلت46

[34] النساء48

[35] مقالات الإسلاميين 1 / 278

[36] انظر الفرق بين الفرق ص 120

 

[37] ص 135 .

 

صفحات مميزة



آخر الأخبار



معرض الصور