||

التذكير بضوابط التكفير

الحمد لله الذي أمر بالعدل في الحكم و القول فقال سبحانه :[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا]{النساء: 58}. وقال سبحانه [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ] {الأنعام:152},وعم ذلك العدل مع من يحبه الحاكم والمتكلم ومن يبغضه فقال:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] {المائدة: 108} , وقال سبحانه:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا]{النساء :94}.

والصلاة والسلام على نبي الرحمة ومثبت أركان العدل والفرق بين الناس نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القائل : (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما )) [رواه البخاري].والقائل : (( إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم))[ رواه مسلم].صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

 

فإن تاريخ أهل السنة وأتباع السلف الصالح لم يشهد من النزاع والاختلاف والخلط ما يشهده هذه الأيام التي عمت فيها الصحوة أرجاء البلاد الإسلامية وبلغ دوي صوتها إلى مشارق الأرض ومغاربها وانتشر أثرها إلى سائر طبقات الأمة الإسلامية من حكام وتجار وعامة , فضلا عن الدعاة والعلماء وطلاب العلم وكان قصارى ما يفخر به علماؤها ودعاتها وطلبة العلم السائرون في فلكها انتسابهم إلى منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة رغم تباين البيئات التي نشأوا فيها والمدارس التي أخذوا عنها والمشارب التي سادت في مواطنهم قبل تأثرهم بالصحوة وانتسابهم إليها ، ورغم وجود فئات من العاملين في صفوف الدعاة ممن لم ينشأوا نشأة طلبة العلم ولم ينتسبوا - في مطلع حياتهم - إلى مذهب أو منهج معين , وإنما كانوا من ذوي التخصصات العلمية غير الشرعية وقد هداهم الله كبارا وأفاقوا على واقع الأمة المرير فهرعوا يبحثون له عن توصيف وللفاعلين فيه عن حكم فقلّّبوا الكتب وجالوا في رحاب العلماء دون حصانة علمية تقيهم الزلل وتحفظهم من التخبط بل كان بينهم وبين العلماء الموجودين في بعض البلاد فجوة واسعة ونفرة ظاهرة مما جعلهم يطلبون العلم بعيدا عنهم من بطون الكتب فاختلطت عليهم المفاهيم وتداخلت المناهج وأدخلوا في منهج السلف ما ليس منه أو رفضوا ما هو من صميمه ثم تبعهم على ذلك فئات من الشباب الغيور المتحمس لصفاء المنهج ونقاء العقيدة وكشف الحقائق وتحذير الأمة مما يسود فيها من انحرافات وكان أخطر ما وقع فيه الخلط مسمى الإيمان والأحكام على الناس بالإيمان أو الفسوق أو البدعة أو الكفر فغلى أناس فأدخلوا من منهج الخوارج ومفرداته في منهج السلف قضايا زاعمين أنها من ذلك المنهج وحاكموا الناس إليها وعكس الأمر آخرون فأخذوا بعض شبه المرجئة ومفردات منهجهم فنسبوها للسلف وحاكموا الطرف الأول إليها فنسبوهم إلى الخوارج بل نسبوا بعض من يقرر منهج السلف الحق إلى الخوارج كذلك هذا فضلا عمن أطلقوا التبديع والتفسيق والتضليل على من خالفهم في بعض ما ذهبوا إليه وهذا من أسوأ ما ابتليت به هذه الصحوة ولذلك وجب على من نصح لنفسه وللأمة أن يتصدى لهذا الخلط ويعمل على إبراز منهج السلف صافيا نقيا في كل جوانبه نافيا عنه ما ألصق به مما ليس منه ومن أجل ذلك جاءت هذه الرسالة المتواضعة الموسومة بـ ( التذكير بضوابط التكفير ).وقد اشتملت هذه الرسالة على :

- مقدمة.

- وثلاثة مباحث :

المبحث الأول: مدخل إلى ضوابط التكفير.

والمبحث الثاني : ضوابط التكفير عند السلف.

والمبحث الثالث: شروط التكفير وموانعه.

- وخاتمة.

أسأل الله أن يجعلها كما قدرت لها مستقيمة على منهج السلف غير منحرفة عنه ولا ناسبة إليه ما هو منه براء .

" اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".

 

 

 

المبحث الأول: مدخل إلى ضوابط التكفير.

ويحتوي هذا المدخل على ستة أمور كالآتي :

أولا: أسباب اختيار الموضوع :

إن لاختيار هذا الموضوع أسباباً أهمها:

1 - انتشار الحديث عنه، والخوض فيه بين طلاب العلم.

2 - ظهور إفراط وتفريط بين الباحثين فيه: فمِن غالٍ دفعه حماسه وغيرته إلى تجاوز أصول أهل السنة والأخذ ببعض أصول الخوارج، أو بأصول مخترعة تؤدي إلى ماتؤدي إليه أصول الخوارج،.ومن جافٍ خاف من غلو الطرف الأول،وحرص على دفعه؛ فما زال به البحث والاجتهاد في دفع الغلو حتى أخذ ببعض أصول المرجئة وشبهها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم؛ فأردت أن أعمل على توخي الوسط بين الطرفين، والحسنة بين السيئين، وإيضاح منهج الحق في ذلك.

3 - ليس من هدفي الدفاع عن الحكام محبةً لهم وموافقة لهواهم، وإسكاتا لذاميهم، فهم ليسوا أهلاً لذلك، وهم قد قالوا أو فعلوا مايذمون عليه قطعاً " ومن دعا الناس إلى ذمة ذموه بالحق والباطل" [1]. ولكن هدفي هو تحذير الدعاة وطلاب العلم وشباب الإسلام من الوقوع في فتنة التكفير، التي لن تقف عند حد، ولن تمس فئة خاصة في تكفيرهم مجال لقول، بل سوف تطول فئاما من المسلمين يتفق العلماء والعقلاء على براءتهم مما يقوله الغلاة. ومن هدفي - كذلك - قطع الطريق على الجفاة الذين قابلوا الغلاة بتلمس شبه المرجئة؛ فراحوا ينشرونها وينسبونها زورا أو خطئا إلى أهل السنة والجماعة.

ثانيا: حقيقة التكفير :

التكفير في اللغة : النسبة إلى الكفر قال صاحب اللسان: ( وكفر الرجل نسبه إلى الكفر )([2]) وفي القاموس ( أكفره دعاه كافرا ) ([3]) وقال الزبيدي في شرح هذه الكلمة : ( يقال لا تكفر أحدا من أهل قبلتك أي: لا تنسبهم إلى الكفر , أي: لا تدعهم كفارا بزعمك وقولك [4].

وأما التكفير في الاصطلاح : فهو نسبته إلى الكفر بصيغة الخبر نحو أنت كافر ، أو بصيغة النداء نحو يا كافر ، أو باعتقاد ذلك فيه كاعتقاد الخوارج تكفير المؤمنين بالذنوب[5].

ثالثا: أهمية معرفة ضوابط التكفير :

لما كثر الخوض في التكفير بين طلاب العلم, وظهرت أقوال أهل الغلو والجفاء فيه , وبدأت بوادر الفتنة من جراء ذلك وجب التعرف على ضوابط التكفير من المنظور السني السلفي؛ دَرءاً للفتنة؛ وتجنبا لسلوك مسالك المبتدعة. وأهل السنة يحرصون على معرفة الأمور المكفرة؛ حذرا من الوقوع فيها؛ ومن أجل إقامة أصل البراءة ممن ثبت كفره ثبوتا شرعيا باستكمال شروط التكفير، وانتفاء موانعه؛ وكذلك لأجل إقامة الحد على من ثبتت ردته , ليقيمه عليه من جعل الشرع إليه ذلك بعد ثبوت موجب الردة، وانتفاء الموانع , وتحقق المصلحة الشرعية في ذلك وانتفاء المفاسد التي قد تربو على تلك المصلحة.

رابعا: التكفير حكم شرعي يؤخذ عن الله ورسوله e:

قال الله تعالى: [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] {التغابن:2} . فلا مجال لإنكار التكفير المضبوط بضوابطه الشرعية كما أنه لا يجوز أن يكفر إلا من كفره الله ورسوله e . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن الإيجاب والتحريم، والثواب والعقاب، والتكفير والتفسيق هو إلى اللّه ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه اللّه ورسوله، وتحريم ما حرمه اللّه ورسوله، وتصديق ما أخبر اللّه به ورسوله‏ ) [6].وقال رحمه الله تعالى :( فإن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقا كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنا ومسلما والعدل من جعله الله ورسوله عدلا والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها والواجب من الصلاة والصيام والصدقة والحج ما أوجبه الله ورسوله والمستحقون لميراث الميت من جعلهم الله ورسوله وارثين والذي يقتل حدا أو قصاصا من جعله الله ورسوله مباح الدم بذلك والمستحق للفيء والخمس من جعله الله ورسوله مستحقا لذلك والمستحق للموالاة والمعاداة من جعله الله ورسوله مستحقا للموالاة والمعاداة والحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع )[7] .

خامسا: خطورة التكفير غير المنضبط:

الأصل فيمن عرف إسلامه بيقين هو الإسلام، والحمل على السلامة، والعذر فيما بدر منه من المعاصي التي يمكن أن يكون له فيها عذر، سواء منها مايؤدي إلى الفسوق أو إلى الكفر، حتى يظهر بشكل جلي - عند من يحاكم ذلك الشخص - عليه برهان أنه قد ثبت عليه مقتضى ذلك القول أو الفعل باستكمال الشروط وانتفاء الموانع وإزالة الشبه إن وجدت، والعفو في شرعية الإسلام مقدم على العقوبة، والحدود تُدرأ بالشبهات،والخطأ في العفو أحب إلى أهل السنة من الخطأ في العقوبة، فكون الباحث المنصف المتجرد للحق يخطئ في تبرئة فرد أو جماعة من الكفر، أخف حرمة وفتنة من الخطأ في وصمها بذلك؛ لأن إثبات التكفير بغير حق يترتب عليه من إسقاط الحقوق وإيجاب الحدود مايوجب الظلم والعدوان، وانتهاك الأعراض، واستحلال الأموال، والانغماس في فتنة لا يعلم مداها إلا الله.

وحسبك ما قابل به النبي e أسامة بن زيد t حين حكم بكفر ذلك المقاتل، الذي أعلن إسلامه لحقن دمه كما فهم أسامة فقال النبي له e :((يا أُسَامَةُ ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال لَا إِلَهَ إلا الله )) قلت: كان مُتَعَوِّذًا فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لم أَكُنْ أَسْلَمْتُ قبل ذلك الْيَوْمِ .والحديث في الصحيحين[8]. فإذا كان هذا في حق فرد واحد فكيف إذا كان في حق أمة من الناس أو جماعة من الجماعات أو نظام من الأنظمة ؟ وماذا سيترتب على ذلك في الدنيا ؟ وماذا سيترتب على الخطأ في ذلك من الذنب يوم القيامة ومن هنا زجر النبي e عن التكفير فعن أبي ذرt قال : قال رسول الله e: (( لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق و لا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك )) متفق عليه[9]. هذا كله فيمن لم يتثبت ولم يتأدب بقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] {النساء:94} . قال الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله - :(وحكم الآية يُعمل به بصرف النظر عن سبب نزولها، وهو أن كل من أظهر الإسلام يُقبل منه ويعد مسلما ولا يبحث عن الباعث له على ذلك ولا يتهم في صدقه وإخلاصه.

فأين هذا من حرص من لم يهتدوا بكتاب الله في إسلامهم، ولا في عملهم بأحكامه, على تكفير من يخالف أهواءهم من أهل القبلة، بل من أهل العلم الصحيح والدعوة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله e فليعتبر المعتبرون)[10] .

وقال الشيخ السعدي - رحمه الله- : ( فإذا كان من خرج إلى الجهاد في سبيل الله ومجاهدة أعداء الله، واستعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم مأموراً بالتبين لمن ألقى إليه السلام وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذاً من القتل وخوفا على نفسه، فان ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد؛ حتى يتضح له الأمر ويتبين له الرشد والصواب) [11].

وقد قال الإمام الشوكاني - رحمه الله - : ( اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام،ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار... ولا يجوز إطلاقه – أي الكفر - على من غير من سمَّاه رسول الله e من المسلمين كافراً إلا من شرح بالكفر صدراً . فحينئذ تنجو من معرَّة الخطر، وتسلم من الوقوع في المحنة، فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه ، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه، ولا عائدة، فكيف إذا كان يخشى على نفسه إذا أخطأ أن يكون في عِدادِ من سماه رسول الله e كافراً فهذا يقود إليه العقل فضلاً عن الشرع ) [12] .

ومن أجل ذلك جاء النهي في الشرع عن التكفير , قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ( هذا مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني أني من أعظم الناس نهياً عن أن يُنسب معين إلى تكفير، و تفسيق ، ومعصية،إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقا أخرى، وعاصياً أخرى وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية، كما أنكر شريح قراءة من قرأ [بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ] {الصَّفات:12} . وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخغي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه كان عبدالله أعلم منه وكان يقرأ (بل عجبتُ).وكما نازعََت عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة في رؤية محمد e ربه، وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين لها:إنه مفتر على الله، وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله وغير ذلك.

وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعاً مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم لأن المقاتل وإن كان باغياً فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق.

و كنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير مَن يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين .

وهذه أول مسألة تنازعت فيه الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة " الوعيد " فان نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى :[إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا] {النساء:10} .الآية ،وكذلك سائر ما ورد : من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة.

وهي بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا . ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه:بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة ،والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قال الرسولe لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام ،أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً.

وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال:(( إذا أنا مت فأحرقوني ،ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم،فوالله لان قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذّبه أحدا من العالمين،ففعلوا به ذلك ،فقال الله له:ما حملك على ما فعلت. قال: خشيتك :فغفر له)). فهذا رجل شك في قدرة الله ،وفي إعادته إذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك .والمتأمل من أهل الاجتهاد والحريص على متابعة الرسول e أولى بالمغفرة من مثل هذا ) [13].

سادسا : علاقة التكفير بقضية تحقيق التوحيد والكفر بالطاغوت:

لقد أصبح من المعلومات الضرورية لدى طلاب العلم والباحثين في مسائل الأيمان والتوحيد أن التوحيد لا يستقيم إلا بالكفر بالطاغوت قال تعالى : [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] {البقرة:256} . ومن لوازم الكفر بالطاغوت البراءة من الكافرين وتكفيرهم وتلك هي ملة إبراهيم التي قررها الله في سورة الممتحنة وغيرها , قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الأصول الثلاثة: ( الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله) ([14]) وقال في نواقض الإسلام : ( الثالث : من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر). ([15]) وهذا الذي ذكره العلماء حق لا مرية فيه ولكن بعض المغالين في مسائل التكفير حملوا هذه القواعد التي قررها العلماء حملا خاطئا ونزلوها في غير منازلها وجعلوها ركيزة لخوضهم في التكفير بعلم وبغير علم وتنزيله على من يستحق ومن لا يستحق فمسألة البراءة من الكفار حق وقد قال الله تعالى: [لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] {المجادلة:22} . ولكن من هم الكفار الذين تجب البراءة منهم وتكفيرهم ومن لم يكفرهم فهو كافر؟ إن الناس ينقسمون إلى مؤمنين وكفار فمن والى الكفار المعلومين الذين الأصل فيهم الكفر فقد خرم ذلك الأصل ,وأما من اعتبر أن الأصل في المسلمين هو الإسلام واستصحب هذا الأصل , ولم يثبت عنده تكفير ذلك الشخص المعين أو الجماعة المعينة, فلا يقال فيه " من لم يكفر الكافر فهو كافر " , وليس ذلك بمخالف لهذا الأصل,

وهكذا قولهم ( من لم يكفر الكافر فهو مثله ) هذا حق وإنما هو في الكافر الأصلي أو من أعلن انتقاله عن دين الإسلام ونحو ذلك أما من ارتكب مكفرا فإن الحكم عليه بثبوت التكفير أو عدمه من مواطن الاجتهاد العائدة إلى تحقيق المناط ولا لوم على مجتهد حكم بأي الحكمين من بقائه على الإسلام أو وقوعه في الردة مع مراعاة أن من ثبت إسلامه بيقين فلا يجوز إخراجه من الإسلام إلا بيقين مثله قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وان أخطا وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة[16]. ولا يصح أن يقال عمن لم يكفر من تلبس بشيء من المكفرات : إنه لم يكفر بالطاغوت , إلا إذا علم بكفره و لم يلتزم تكفيره بلا حجة , وبهذا تعلم غلو من جعل تنزيل أحكام الكفر على من تلبس بشيء منه - ممن أصله الإسلام - من ملة إبراهيم التي لا يصح التوحيد إلا باتباعها.

المبحث الثاني : ضوابط التكفير عند السلف.

التكفير عند السلف يُبنى على أصلين عظيمين :

1.الأصل الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر:

وهذا القول أو الفعل يُعلم أنه موجب للكفر إذا كان مشتملاً على :

أ - عدم الإيمان بما أمر الله بالإيمان به: كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث...الخ، أو التكذيب بشيء مما جاء به الرسولe إذا كان معلوماً من الدين بالضرورة , قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : (.. أنه قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة مادل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب،ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إذا كان فعلاً منهياً عنه:مثل الزنا أو السرقة وشرب الخمر ما لم يتضمن ترك الإيمان، وأما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل :الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ، فإنه يكفر به، وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة ) [17].

والدليل على ذلك قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا] {النساء:136} .

ب - عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة وعدم تحريم المحرمات الظاهرة : فمن أنكر شيئا من ذلك كفر مالم يمنع من تكفيره مانع شرعي كالجهل الذي يعذر به أمثاله.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن تحدث عن مانعي الزكاة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:( فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها. وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه،من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً كالصلوات الخمس،وصوم شهر رمضان ،والاغتسال من الجنابة،وتحريم الزنا،والخمر ،ونكاح ذات المحارم ،ونحوها من الأحكام ،إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام،ولا يعرف حدوده فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلاً به لم يكفر) [18] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :( وهذا الذي اتفق عليه الصحابة،وهو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة،كالصلوات الخمس،وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش والظلم والخمر والميسر،والزنا وغير ذلك أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد ،يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن أضمر ذلك كان زنديقا منافقاً لا يستتاب عند أكثر العلماء بل يقتل بلا استتابة إذا أظهر ذلك منه)[19] .

أما ترك شيء من الواجبات،أو ارتكاب شيء من المحرمات من غير اعتقاد فليس ذلك بمكفر إلا ترك الصلاة على الصحيح من قولي العلماء ؛ بل حكاه عبدالله بن شقيق عن عامة الصحابة فقال:(كان أصحاب رسول اللهe لا يرون شيئا ترك من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) [20] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :(وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين) ([21]) ([22]) هذا في الترك.

وأما في الفعل فإن أهل السنة مجمعون على أنه لا يكفر المسلم بذنب لا يتنافى مع أصل الإيمان،وإن سمّي بعض الذنوب كفراً فإنما يحمل على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة،وإنما يخالف في ذلك الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم ،ويستدل أهل السنة على أن من الذنوب ما يطلق عليه اسم الكفر،ويراد به الكفر الأصغر بنحو قول النبيe : ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ))[23].مع قول الله تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] {الحجرات:9} حيث سمّي الله تعالى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين،فدّل على أن الكفر الذي في الحديث ليس هو الكفر المخرج من الملة ومثل هذا كثير في النصوص الشرعية.

وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء قال ابن بطة رحمه الله تعالى :(وقد أجمعت العلماء لا خلاف بينهم أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الاسلام بمعصية نرجو للمحسن ونخاف على المسيء) [24] .

غير أن إطلاق عدم التكفير بالمعاصي يجب أن يقيّد بمالم يخالف أصل الإيمان وقد أبرز البخاري رحمه الله هذا القيد في إحدى تراجم كتاب الإيمان من صحيحه فترجم على حديث أبي ذر ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) بقوله(باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك)[25].

وفصّل ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال:(إنه قد تقرر من مذهب أهل السنّة ،إنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ولا يخرجونه من الاسلام بعمل ،إذا كان فعلاً منهياً عنه مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ،مالم يتضمن ترك الإيمان)[26]. وقال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى :( واعلم - رحمك الله وإيانا - أن باب التكفير وعدم التكفير، باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم. فالناس فيه، في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة، المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، والمخالفة لذلك في اعتقادهم، على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية:

فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، فتنفي التكفير نفيا عاما، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين.

وأيضا: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرا مرتدا. والنفاق والردة مظنتهما البدع والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة، بسنده إلى محمد بن سيرين، أنه قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء. وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ] {الأنعام:68}.

ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب. كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب.) [27].

ومن هنا يتضح أن الكفر كفران كفر يخرج من الملة وهو الكفر الأكبر ،وكفر لا يخرج من الملة وهو الكفر الأصغر وهنا تقسيم آخر حيث قسّم الكفر إلى كفر اعتقادي،وكفر عملي.وهذا التقسيم صحيح ولا شك, وإنما وقع الخلط عند البعض حيث جعلوا الكفر العملي مساوياً للكفر الأصغر في كل الأحوال ،ولم يستثنوا من ذلك ما هو مناف لأصل الإسلام.قال ابن القيم رحمه الله تعالى:(وأما كفر العمل فينقسم إلى مايضاد الإيمان وإلى مالا يضاد الإيمان،فالسجود للصنم ،والاستهانة بالمصحف،وقتل النبي ،وسبّه يضاد الإيمان،وأما الحكم بغير ما انزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعاً ،ولا يمكن أن ينفي عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر،وتارك الصلاة كافر بنص الرسولe ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد)[28] .

وقد أفصح الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله عن سبب التكفير ببعض الأعمال دون بعض فقال:( س 69 - إذا (قيل لنا:هل) السجود للصنم والاستهانة بالكتاب ،وسب الرسول e ،والهزل بالدين،ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر فلم كان مخرجا من الدين وقد عرّفتم الكفر الأصغر بالعملي؟

ج - اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي ،إلا من جهة كونها واقعة بعمل الخوارج فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع الا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده،لا يبقى معها شيء من ذلك فهي وإن كانت عملية في الظاهر ،فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد ،ولم تكن هذه لتقع الا من منافق مارق أو معاند مارد ) [29] .

ج - ترك الالتزام بشريعة من الشرائع الظاهرة المتواترة : قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - شرح العمدة: ( وكذلك لو اقر أن الله أوجبها ( الصلاة ) وصدق الرسول في الرسالة وامتنع من قبولها بالإيجاب وأبى أن يلتزمه وينقاد لله ورسوله فهو كإبليس فإنه لم ينكر الإيجاب وإنما استكبر عن القبول فإنه يكفر بذلك ويقال له كافر ولا يقال مكذب [30] اهـ. وهذا وإن كان في الصلاة فإن الحكم واحد في كل إباء عن التزام أي شريعة من الشرائع الظاهرة المتواترة , قال شيخ الإسلام رحمه الله في الصارم المسلول : ( الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو انه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ولهذا قالوا من عصى مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له و محادته تنافي هذا التصديق) ([31]).

هذه ضوابط كون العمل مكفرا أو غير مكفر.

 

الأصل الثاني : من أصول التكفير عند السلف - الحكم على الفرد أو الجماعة العاملة بذلك العمل وله الضوابط الآتية :

الضابط الأول: تكفير من دلّت النصوص على تكفيره تكفيرا مطلقاً: ونعني بالتكفير المطلق أن يقال :(من اعتقد كذا فهو كافر،ومن عمل كذا فهو كافر ،ومن قال كذا فهو كافر).دون أن ينزل ذلك على فرد بعينه فالجهمية من حيث هي فرقة مبتدعة ضالة بعيدة في ضلالها جمعت عددا من الأصول الهادمة لعقيدة الإسلام مثل تعطيل الصفات والجبر والإرجاء وغير ذلك هي من حيث أنها فرقة بتلك العقائد قد كفّرها السلف كما مر ولكنهم لم يكفروا أعيان أصحابها حتى بعض علمائها ودعاتها ومن كان ينشر عقائدها من الخلفاء والأمراء كما نقل ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وكما قرره هو فيما سيأتي , فكم ورد من آيات تذم النفاق ، وتبين كفر المنافقين وحكمهم الدنيوي ومآلهم الأخروي ،وشدة عداوتهم لله ورسوله وللإسلام والمسلمين ،ولم نجد القرآن عيّن واحدا منهم ،ولم نجد الرسولe كشفهم وسمّاهم لأصحابه ما عدا عددا محددا أطلع حذيفة أمين سره على أسمائهم ،بل إنه زجر من عيّن ،أو اتهم بعض من ظهرت عليه بعض علاماتهم كما في قصة عتبان بن مالك عند الشيخين :(.... قال فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد ،فاجتمعوا ،فقال قائل منهم:أين مالك ابن الدخيشن أو ابن الدخشن ؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله .فقال الرسول e :((لا تقل ذلك ،ألا تراه قد قال لا اله الا الله يريد بذلك وجه الله !)) قال: الله ورسوله أعلم ،قال:فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ،فقال رسولe :((فإن الله قد حرّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ))[32] .

وهكذا ينبغي تكفير من كفّره الكتاب والسنّة تكفيراً مطلقاً مع التأني في إنزال ذلك الحكم على الشخص المعيّن وعلى ذلك جرى السلف رضي الله عنهم فتجدهم يكفرون بعض الفرق بإطلاق كما حكم غير واحد على الجهمية بأنهم كفّار , ويكفّرون من قال ببعض الأقوال كما ثبت عن غير واحد أنّ (من قال القرآن مخلوق فهو كافر) كما نقل شيخ الإسلام الإجماع على أن الاستغاثة بغير الله شرك - يعني أكبر - ونحو ذلك من الإطلاقات ومع ذلك نجد أنهم لا يطبقون ذلك على كل فرد من تلك الفرق أو ممن قال ذلك القول ،أو فعل ذلك الفعل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :(مع أن أحمد لم يكفّر أعيان الجهمية،ولا كل من قال إنه جهمي كفّره ،ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم بل صلّى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم ،وامتحنوا الناس،وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة،لم يكفّرهم أحمد وأمثاله ،بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ،ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم, والحج والغزو معهم ،والمنع من الخروج عليهم مايراه لأمثالهم من الأئمة ،وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم،وأن لم يعلموا هم أنه كفر،وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان ،فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين ،وإنكار بدع الجمهية الملحدين ،وبيّن رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهّالا مبتدعين وظلمة فاسقين.) [33].

وقال أيضاً:( ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه،واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم،والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في إنهم لم يكفّروا المعنيين من الجهمية الذي كانوا يقولون القران مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة) [34].

وقال رحمه الله تعالى في كتاب الاستغاثة بعد أن بين طريقة أهل البدع في تكفير من خالفهم ( وكذلك التكفير حق لله فلا يكفّر إلا من كفّره الله ورسوله وأيضاً فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفّر من خالفها،وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفّر.

ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين - كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر،وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على مافهموه من آية المائدة - اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون ،فإن أصروا على الاستحلال كفروا ،وإن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق،فإن أصروا على الجحود كفروا .

وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله:(إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم ،فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحدا من العالمين،فأمر الله البحر فُرد ما اخذ منه،وقال: ماحملك على ما فعلت،قال خشيتك يارب فغفر له)فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته ،وأنه لا يعيده أو جوز ذلك وكلاهما كفر،لكن كان جاهلاً لم يتبين له الحق فغفر له.

ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم،أنا لو وافقتكم كنت كافراً ،لأني أعلم أن قولكم كفر،وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهّال ،وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم،وأهل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور في معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له فكان هذا خطابنا ) [35].

وقال أيضاً:(والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفراً كمقالات الجهمية الذين قالوا:إن الله لا يتكلم ،ولا يرى في الآخرة،ولكن قد يخفى على بعض الناس تنه كفر فينطلق القول بتكفير القائل،كما قال السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر ومن قال: أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر،ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة) [36]

الضابط الثاني:أن انطباق الحكم بالكفر على القائل المعين أو الفاعل المعين لا يتم إلا إذا تحققت الشروط التكفير في حقه وانتفت الموانع:

وقد دل على هذا الضابط أدلة القرآن والسنة فمن القرآن قوله تعالى: [مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] {الإسراء:15}.

قال ابن كثير:(إخبار عن عدل الله تعالى وأنه لا يعذّب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه)[37]. وقوله تعالى:[رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] {النساء:165} .

ومن السنة قول النبي e :(( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ))رواه مسلم[38].

قال النووي في شرحه:(ففيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا e ،وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور،وهذا جار على ماتقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح) [39].

وقد وقعت حالات أمام الرسول e قال أو فعل أصحابها ماهو كفر ولم يكفرهم الرسول e لقيام عذر مانع من تكفيرهم ومن ذلك:

- قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قدم من الشام كما في حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبيe فقال: (( ما هذا يامعاذ؟ )) قال: أتيت من الشام فوافقيهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم،فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك،فقال رسول e:((فلا تفعلوا فإني لو كنت أمراً أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها..)) رواه ابن ماجه [40].

- وكذا قصة الربيع بنت معوذ قالت:(جاء النبيe فدخل حين بني علي فجلس على فراشي مجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر،إذ قالت إحداهن:وفينا نبي يعلم ما في غد ، فقال: ((دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين)) رواه البخاري [41]. فالسجود لغير الله كفر ولكن رسول اللهe لم يكفر معاذا لقيام العذر وهو التأويل السائغ،ولم يكفر الجارتين لجهلهما بلازم ماذكرتاه.

وعلى هذا جرى علماء أهل السنة .قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:( هذا مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير،وتفسيق ،ومعصية،إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة،وفاسقا أخرى ،وعاصياً أخرى . و أني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها :وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية) [42] . وقال أيضاً:(وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهّال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبن بها أنهم مخالفون للرسل وإن كانت هذه المسألة لا ريب أنها كفر.. وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين مع أن بعض البدعة أشد من بعض،وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ماليس في بعض ،فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبيّن له المحجة ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل عنه ذلك بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) [43].

ونقل القاسمي عن ابن العربي أنه قال :(الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا ،لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد عليه الكفر المخرج من الملة،فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة،ولوعمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا أو كافراً فإنه يعذر بالجهل والخطأ ،حتى يتيبن له الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحا مايلتبس مثله ،وينكر ماهو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا قطعيا يعرفه كلا من المسلمين من غير نظر وتأمل ) [44].

وإنما يحقق ذلك ويحكم بموجبه العلماء الراسخون .وليس جهلة الطلبة وأنصاف المتعلمين الذين لا يجرؤ أحدهم على الفتوى في إنفاذ طلاق أو عدم إنفاذه, فكيف يتجرؤون بعد ذلك على هذه الأمور العظيمة.

إذن فقد وضح المنهج الصحيح في التفريق بين التكفير المطلق لمن كفّره الشرع وبيّن تنزيل التكفير على المعنيين وأن الأول سائغ ،والثاني ممنوع إلا بعد تحقق تلك القيود الذي ذكرها العلماء .

وقال رحمه الله:بعد أن ذكر اختلاف بعض علماء أهل السنة في كفر بعض الفرق وهل أعيانهم كفار أم لا وهل يخلد في النار أم لا (وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة،فإنهم يرون توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ثم أنهم يرون من الأعيان ،الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان مايمتنع ان يكون كافرا فيتعارض عندهم الدليلان ،وحقيقة الأمر إنهم أصابهم في ألفاظ العموم في نصوص الشارع كلما،أو هم قالوا: من قال كذا فهو كافر ،المتقدم المستمع ان هذا اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا ان التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.

بيّن هذا الأمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا من تكلم بهذا الكلام هينة)[45]

 

المبحث الثالث: شروط التكفير وموانعه:

أولا : شروط التكفير : وقد اشترط العلماء لثبوت تكفير المعين أربعة شروط، وهي:

الشرط الأول: التكليف :

وهو أن يكون المحكوم عليه عاقلا بالغاً فلا تكليف على مجنون ولا على صغير , والدليل حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله e قال:((رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)) رواه ابن ماجه وصححه الألباني [46].

وقال ابن قدامة: (إن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون ومن زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء مباح شربه ،فلا تصح ردته ولا حكم بكلامه بغير خلاف) [47] .

الشرط الثاني: قيام الحجة :

والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى:[مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] {الإسراء:15} . وتقدم كلام ابن كثير في تفسير هذه الآية وبيان وجه الدلالة فيها، ومنها قوله تعالى [رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] {النساء:165} .وجه الدلالة أن الله تعالى لو عذب الكافرين قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل لكان لا عتذارهم بالجهل وعدم العلم بما يجب عليهم وجه غير أن إرسال الرسل إليهم وتبلغيهم ما يجب لله عليهم قد أقام عليهم الحجة وإزال العذر فظهر أن المؤاخذة لا تكون إلا بعد قيام الحجة.

ومن السنة قول النبيe : ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي احد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ،ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ،إلا كان من أصحاب النار)) رواه مسلم[48]. وجه الدلالة أن الرسول e علق دخول النار لليهودي والنصراني بالسماع به وعدم الإيمان،وذلك يقتضي أن من لم يسمع به من اليهود والنصارى لا يستوجب النار.

ومن أدلة السنة كذلك على أن قيام الحجة لازم للمؤاخذة حديث الأربعة الذين يدلون بحجتهم يوم القيامة , فعَنِ الأَسْوَدِ بن سَرِيعٍ أَنَّ نبي اللَّهِ e قال : (( أَرْبَعَةٌ يوم الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لاَ يَسْمَعُ شَيْئاً وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ في فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فيقول رَبِّ لقد جاء الإِسْلاَمُ وما أَسْمَعُ شَيْئاً وَأَمَّا الأَحْمَقُ فيقول رَبِّ لقد جاء الإِسْلاَمُ وَالصِّبْيَانُ يحذفوني بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فيقول ربي لقد جاء الإِسْلاَمُ وما أَعْقِلُ شَيْئاً وَأَمَّا الذي مَاتَ في الْفَتْرَةِ فيقول رَبِّ ما أتاني لك رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ ان أدخلوا النَّارَ قال فوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لو دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عليهم بَرْداً وَسَلاَماً )) أخرجه أحمد [49] وغيره وصححه الألباني[50] .

فأحد هؤلاء الأربعة لم يبلغ الإسلام حيث عاش في فترة من الرسل فانقطعت قبل مولده أو قبل تكليفه أنوار الرسالات السابقة ولم يبعث في زمنه رسول , والثلاثة الباقون فقدت لديهم آلآت السمع أو الفهم عن الله فعذروا بذلك وأخبر الرسول e أنهم سوف يمتحنون يوم القيامة وهذا من تمام عدل الله سبحانه ورحمته بعباده.

وإذا كان هذا فيمن لم تتشرف نفوسهم بقبول الإيمان , ولم تسخر جوارحهم لعبادة رب العالمين , ولم تنقد لاتباع سيد المرسلين , فكيف بمن كان مسلماً ثم وقع في مكفر من المكفرات - التي يسوغ فيها التأويل - لم يتجانف لإثم في ارتكابه إياه، ولم يعاند بالوقوع فيه، وإنما لم يكن يدرك أن ذلك يسخط رب العالمين أو يوجب الكفر به؟

هذه بعض الأدلة الدالة على اشتراط إقامة الحجة على العبد قبل الحكم عليه بالكفر أو مؤاخذته بعدم الدخول في الإسلام.

وقد سبقت عدة أمثلة لأشخاص عملوا المكفر أو قالوه فلم يكفروا بذلك ؛ لأنهم لم يسبق لهم العلم بكون ذلك مكفراً، مثل سجود معاذ للنبي e وقول الجارية (وفينا نبي يعلم ما في غد) فأنكر النبي e ذلك عليهم ولم يكفرهم به .

ويبقى أمر مهم وهو ما حقيقية قيام الحجة على العبد حتى إذا خالف بعد ذلك يكون كافرا؟ والجواب أن قيام الحجة يكون ببلوغ النصوص الشرعية بلوغا بينا يفهمه المخاطب ويدرك منه مراد الشارع فمن بلغه الشرع على هذا الوجه بواسطة أهل العلم الذين جعلهم الله حجة على خلقه ثم رده فقد قامت عليه الحجة وثبت في حقه الوعيد مالم يمنع من ثبوته مانع آخر .وفي المسائل الظاهرة تقام الحجة ببلوغ النصوص الشرعية بلوغا واضحا ولو كان ذلك بواسطة من ليس من العلماء , هذا حيث لا شبهة ولا تأويل سائغ, وأما حيث الشبهة والتأويل السائغ فلا تقوم الحجة إلا بالعلماء .

وقد ثار خلاف حول قضية بلوغ الحجة وفهم الحجة وهل يكفي بلوغ الحجة أو يشترط بلوغها وفهمها ؟

وقد وجد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ذلك نصوص ظاهرها عدم اشتراط فهم الحجة ونصوص أخرى يفهم منها أنه لا يكفر إلا ببلوغ الحجة وفهمها وقد مال إلى القول الأول كثير من علماء الدعوة النجدية ومن أخذ عنهم , كما مال إلى القول الثاني علماء من أهل نجد وغيرهم بحيث أن من رجح قولاً رد الآخر.

وقد قرر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين القول الأول في رسالته " حكم من يكفر غيره من المسلمين والكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل " وقد علق على الرسالة الشيخ محمد رشيد رضا فقال في التعليق على اختيار أبا بطين في هذه المسألة :( في هذه المسألة نظر , وقد اختلف فيها كبار علماء نجد المعاصرون في مجلس الإمام عبدالعزيز بن فيصل آل سعود الملك بمكة المكرمة فكانت الحجة للشيخ عبدالله بن بليهد بان العبرة بفهم الحجة لا بمجرد بلوغها من غير فهم وأورد لهم نصا صريحاً في هذا من كلام المحقق ابن القيم رحمه الله فقنعوا به ) [51]

غير أن كثيرا من المحققين من طبقة شيوخنا وشيوخ شيوخنا ومعاصرينا قد جمعوا بين القولين جمعاً خلاصته أنه لا بد من فهم الحجة فهما يصير به المخاطب مدركا لمراد الشارع من خطابه , ولا يلزم أن يفهمه فهم الفقيه الذي يريد الله به الخير حيث يفقه كفقه أبي بكر أو غيره ممن فقه في دين الله وانقاد لذلك وأثر في سلوكه .

وقد جمع بقريب من هذا الجمع الدكتور إبراهيم الرحيلي في كتابه الماتع( التكفير وضوابطه) فانظره[52] . وكذلك جمع ذلك الجمع أو قريباً منه الشيخ عبد الرزاق بن طاهر معاش في كتابه القيم(الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه)فانظره [53].

وتوصل إلى ذات النتيجة أو قريب منها الشيخ عبدالله بن محمد القرني في كتاب (ضوابط التكفير ) ونقل هناك نقولاً كثيرة عن علماء ،الدعوة النجدية تؤيد ما ذهب إليه [54]. وقد أطلت في هذه المسألة ونوعت النقول والحالات لوجود من يصر على التمسك بالقول الأول ويبني عليه أموراً أخرى تصب في خانة الغلو الذي يتبناه.

الشرط الثالث : القصد إلى القول أو الفعل المكفر.

\بمعنى أن يكون واعيا مايقول قاصداً له غير ذاهل عنه ولا جاريا على لسانه بغير قصد , مثل سبق اللسان والكلام الصادر في حال الإغلاق بدهشة ونحوها.وليس من ذلك أن يقوله هازلاً مع إدراكه لما يقول.

أما الدليل على عدم مؤاخذة من صدر عنه شيء من ذلك في حال الدهشة وإغلاق العقل فحديث فرح الله بتوبة عبده وفيه (( ثم قال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)) رواه مسلم.[55] من حديث أنس . قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث : (فيه أن ما قال الإنسان من مثل هذا من دهش وذهول غير مؤاخذ به إن شاء الله).[56] .

ويجب أن يفرق بين مايقع بسبب الإغلاق والذهول وسبق اللسان - حيث تنعدم الإرادة - وبين ما قيل على سبيل اللعب والاستهزاء أما الأول فحكمة ما مضى , وأما الثاني فإنه يؤاخذ به بحسب مايقتضيه الحال من كفر أو فسوق أو غير ذلك, ودليل ذلك آية التوبة: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ] {التوبة:65} . وما ذكر العلماء في سبب نزولها.وقد قرر غير واحد من العلماء أن أولئك النفر كانوا مؤمنين ضعفاء الإيمان فلم يمنعهم الضعيف عن ذلك السلوك .والفرق بين الذاهل والهازل:أن الذاهل لا قصد له وأما الهازل فإنه قاصد لما يقول أو يفعل.

 

الشرط الرابع : الاختيار.

ومعناه أن لا يكون القائل أو الفاعل للكفر مكرها عليه. و دليل هذا في القرآن في قوله تعالى: [مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {النحل:106} .

وسبب نزولها قصة عمار بن ياسر رضي الله عنهما أو المستضعفين من المؤمنين بمكة وتلك الأسباب بحاجة إلى بحث أسانيدها غير أن البغوي رحمه الله تعالى قال:(وأجمع العلماء على: أن من أكره على كلمة الكفر يجوز له أن يقول بلسانه،وإذ قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفراً وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل)[57] .

وللعلماء في حد الإكراه كلام يطول استقصاؤه , ومما بينوه أن الإكراه على الكفر ليس كالإكراه على فعل المعصية أو ترك واجب فلا يكون الإكراه على الكفر إلا بأمر جلل كالقتل والتعذيب والسجن ونحو ذلك.

ولا يلزم أن يصل الإكراه إلى حد الإكراه الملجئ الذي لا يبقى معه للمكره اختيار فإن من بلغ به الحال إلى حد ذلك لم يعد مكلفاً أصلاً.

كما أن الإكراه يجب أن لا يصاحبه رضى بالكفر واستمراء له ومداومة عليه [58] .

ثانيا: موانع التكفير :

وموانع التكفير تكون بانتفاء شرط من شروطه ، فعكس كل شرط مانع :

المانع الأول : عدم التكليف : إما بالصغر أو الجنون ، وهو عكس شرط التكليف , وما تقدم من الأدلة هناك هو أدلة هذا المانع .

والمانع الثاني : الجهل : وهو عكس الشرط الثاني (قيام الحجة) أي كون العبد يقول أو يفعل ، أو يعتقد شيئاً يمكنه العلم ببطلانه ، وأنه كفرٌ بالله تعالى ، وما تقدم من أدلة ونُقول عن العلماء كافٍ لإثبات هذا المانع .

المانع الثالث : الخطأ والذهول : بأن يكون القول أو الفعل صادراً عن العبد في حال ذهول أو دهشة تمنع من اعتبار القصد إلى ذلك القول أو الفعل ، وتقدم في الشرط الثالث حديث الذي قال : ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)) وتقدمت كذلك النقول عن العلماء في ذلك .

المانع الرابع : الإكراه : وهو عكس الاختيار ودليله قول الله تعالى :[مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {النحل:106}. .وقول النبي e لعمار: (( إن عادوا فعد )) وتقدم كل ذلك مع النقول عن أهل العلم .

المانع الخامس : التأويل :( والمقصود بالتأويل ها هنا : التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك ، وسببه القصور في فهم الدلالة الشرعية ، دون تعمد للمخالفة ، بل قد يعتقد أنه على حق ) [59].

قلت : بل إن الغالب على المتأولين هو اعتقادهم أن ما ذهبوا إليه هو الحق ، وذلك لوجود شبهات ظنوها أدلة فتمسكوا بها ، وربما تحولت إلى أصول ثابتة لا تقبل النقاش ، ثم جاء من يقلدهم في ذلك محسناً الظن بهم غير مترددٍ في صواب ما توصلوا إليه .

وهذا النوع من التأويل هو من التأويل المذموم ، غير أنه يمنع من إلحاق من وقع له بالكافرين المعاندين ما لم يظهر عناده وإصراره على مراغمة الحق وأهله بعد معرفة أنه الحق .

وهناك نوع قد يسميه البعض تأويلاً وهو في الحقيقة لعب ؛ لأنه يعود إلى إبطال الشريعة وإلغاء أصولها ونسف قواعدها من أساسها ، وذلك حينما يكون صرف النصوص عن ظواهرها مما لا تتحمله لغة العرب ، ولا يتوافق مع سياق النصوص وثوابت العقيدة أو الشريعة ، مثل : تأويلات غلاة الباطنية من الفلاسفة والروافض والمتصوفة .

والناس في باب التأويل – دون تأويلات الباطنية ونحوهم مما هو إلى العبث واللعب أقرب منه إلى التأويل - على ثلاث مراتب :

المرتبة الأولى : ممدوحون بتأويلهم وهم الراسخون في العلم الذين وقفوا عند حدود التأويل الصحيح الذي شهدت له أدلة الكتاب والسنة واستعمله السلف الصالح ، وهؤلاء مثابون مأجورون على تأويلهم .

المرتبة الثانية :معذورون وربما مأجورون وهم جماعات من أهل السنة وصالحي أهل الفقه والحديث والتفسير بذلوا وسعهم في معرفة الحق والوصول إليه ، غير أن شبهاً عرضت لهم ، أو تقليداً صادراً عن إحسان الظن ببعض شيوخهم ومتقدميهم أوقعهم في مخالفة الحق في مسائل علمية أو عملية فهؤلاء معذورون وربما يكونون مأجورين على ذلك ، غير أنه لا يجوز اتباعهم على ذلك ، أو الاستدلال بما وقع منهم على صحة ما ذهبوا إليه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( هذا قول السلف وأئمة الفتوى ، كابن حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفرعية كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره وقالوا : هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفّرون ولا يفسّقون ولا يؤثّمون أحداً من المجتهدين المخطئين ، لا في مسألة عملية ولا علمية ، قالوا : والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم [60]، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره ) [61].

المرتبة الثالثة : أهل الأهواء وعلماء الفرق الضالة التي هي في إطار أهل القبلة ، والذين اعتمدوا التأويل الفاسد وجعلوه أصلاً حرفوا به كلام الله وكلام رسوله ، وخالفوا به ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ، فهؤلاء يشملهم الذم ويوصفون بالضلال ، ولكن لا يجوز الحكم على أعيانهم بالكفر إلا بعد إقامة الحجة عليهم ، وتبين عنادهم وتكذيبهم لله ولرسوله ، ومخالفتهم لسبيل المؤمنين ، فــالرسول e أخبر أن أمته ستفترق إلى ثــلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحـــدة . فأما الواحدة فهي الفرقة الناجية ، ونجـاتها تكون في الدنيا بالنجاة من الضلال ، وفي الآخرة من الوعيد ، وأما الاثنتان والسبعون فرقة فإنها غير ناجية من الضلال في الدنيا ، بل واقعة فيه ، غير أن ضلالها غير مخرج لها من الإسلام ، كيف وقد جعلها النبي e من أمته ، والمقصود هنا أمة الإجابة لا أمة الدعوة ، وهي في الآخرة يشملها الوعيد بالنار ، غير أنها تبقى تحت المشيئة ، قال الإمام الخطابي رحمه الله في شرح هذا الحديث : ( فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين ، إذ قد جعلهم النبي e من أمته ، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله )[62].

كلام أئمة أهل السنة في تقرير الموقف من المتأوّل قولاً وعملاً :

قــال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :(إن المتأول الذي قصده متابعة الرسول e لا يُكفَّر ولا يفسَّق إذا اجتهد فأخطأ ، وهذا المشهور ، عند الناس في المسائل العملية ، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها ، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا عن أحد من أئمة المسلمين ، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ، ويكفرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية )[63].

وقال ابن الوزير رحمه الله : ( طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل ، وخالفوا في التأويل ، فهؤلاء لا يكفرونهم إلا من تأويله تكذيب ، ولكنه سماه تأويلاً مخادعة للمسلمين وميكدة للدين كالقرامطة ) إلى أن قال : ( وأما أهل البدع الذين آمنوا بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر ، وإنما غلطوا في بعض العقائد لشبهة قصرت عنها أفهامهم ، ولم تبلغ كشفها معرفتهم ، فلا دليل على كفرهم ، ومن كفرهم فقد اغتر في تكفيره من الشبهة بمثل ما اغتروا به في بدعتهم من ذلك ) [64] .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله :(إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء به الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ، واعتقادهم صدقه في كل ما قال وأن ما قاله كله حق ، والتزموا ذلك لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية ، فهؤلاء دلّ الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين ، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك ) [65].

وقيام الحجة عليهم الذي بعده يحكم بكفر أعيانهم إنما يكون بتجليه الحق وإزالة الشبهة ، وتبين أنه لم يبق معهم غير المكابرة والعناد ، وليس مُجْدِياً أن يعرض عليهم الحق ويناظرون فيه ويستدل عليهم بأدلة أهل السنة .

والدليل على ذلك من مواقف أئمة أهل السنة :

1 - مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج والاستدلال عليهم بالكتاب والسنة والقياس ، واقتناع طائفة كبيرة منهم ، وإصرار طائفة أخرى ، ومع ذلك فأولئك المصرون لم يكفرهم علي ولا ابن عباس ولا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم .

2- والإمام أحمد رحمه الله وغيره من علماء السنة المعاصرين له قد ناظروا المعتزلة وربما سموهم الجهمية القائلين بخلق القرآن وتعطيل الصفات ، ونفي رؤية الله في الآخرة ، ولا شك أنهم قد عرضوا عليهم أدلة الكتاب والسنة المبطلة لمذهبهم ، غير أنهم بقيت لديهم شبهات جعلتهم يصرون على ما هم عليه ، بل يعتقدون أنهم على الحق ، وأن أهل السنة على الباطل ، ولأجل ذلك استباحوا عقوبة أهل السنة ، فسجنوا وجلدوا ، بل وقتلوا منهم رجالاً من خيرة العلماء ، حتى أن ابن أبي داود كان يقول للمعتصم مشيراً إلى الإمام أحمد : ( اقتله ودمه في ذمتي ) ، ومع ذلك كله لم يكفّرهم الإمام أحمد ولا أحد من الأئمة المعاصرين له ولا ممن جاء بعدهم من أهل السنة هؤلاء بأعيانهم كما سبق ذلك ، وإنما كفروا بالجهمية تكفيراً مطلقاً ، وكفروا تكفيراً مطلقاً من قال بخلق القرآن .

3 - وكذلك الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ناظر الجهمية والمعتزلة وغلاة الصوفية ، وعرض عليهم الأدلة النقلية والعقلية ، فلم يقنعوا بها واعتبروه هو الشاذ والخارج عن مذهب أهل السنة ، وأفتوا بسجنه بل سعوا في ذلك حتى سجن ومات في السجن ، وربما أفتى بعضهم بقتله ، ولم يكفّر أحداً منهم بل كان يقول :

( ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم : أنا لو وافقتكم كنت كافراً ؛ لأن قولكم كفر ، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال . وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم...إلخ ) [66].

بل إنه رحمه الله مع نقله إجماع العلماء على منع الاستغاثة بغير الله وأنه شرك كما صرح بذلك في وسمه بالإجماع على المنع منه في الاستغاثة [67]. فإنه لم يكفّر البكري الذي ألف كتاباً في إثبات الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه شيخ الإسلام برد مختصر ، فرد البكري عليه فأفحش القول وكفر شيخ الإسلام لمنعه من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم زاعماً أن ذلك حطّاً من قدره e وسوء أدب معه ، فرد عليه شيخ الإسلام بكتابه العظيم (الاستغاثة أو الرد على البكري) .

ومع ذلك فإنه لم يكفّر البكري ولم يصمه أنه قد أقام عليه الحجة بذلك ، بل إنه قال في آخر كلامه عن حكم التكفير وذكر موانعه ، وأن الذين يبتدعون أقوالاً ثم يكفّرون من خالفها هم أهل الأهواء ، قال عن البكري : (فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله) وهذا دليل من كلامه رحمه الله على عدم تكفير البكري كما يظهر لي ، بل إن محقق الاستغاثة - عبد الله بن دجين السهلي - قد صرح في دراسته لكتاب الاستغاثة بذلك فقال : (وعلى هذا نجد هذا الكتاب على وتيرة واحدة ، فهو يصف الخصم بالجهل والظلم ولا يكفره ، وإن كان يشتد عليه أحياناً إلا أنه لا يخرج عن حدود الشرع ، ويستدل على كل مسألة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح . بينما البكري يصف الشيخ مرة بالإلحاد ومرة بالزندقة والكفر ، ويستشهد بأقوال القبورية أمثاله) [68] .

وحتى أئمة الدعوة النجدية الذين يعدّون من أشد الناس قولاً فيمن خالف التوحيد واستغاث بغير الله ، فإن لبعضهم كلاماً قيماً واضحاً مفصلاً ينبغي أن يرد إليه العمومات التي جاءت في كلام بعضهم الآخر :

4 - من ذلك كلام الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي نقله الشيخ سليمان بن سمحان في كتابه الهدية السنية ، حيث قال بعد كلام في عذر من وقع في الشرك من عوام الأمة ومن كان منهم قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( فإن قلت : هذا فيمن ذهل ، فلما نبه انتبه ، فما القول فيمن حرر الأدلة ، واطلع على كلام الأئمة القدوة ، واستمر مصراً على ذلك حتى مات ؟ قلت : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ، ولا نقول إنه كافر ، ولا لما تقدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه ، لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقفه بلسانه وسيفه وسنانه فلم تقم عليه حجة ، ولا وضحت له المحجة ، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين إذا تواطؤوا على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأساً ، ومن اطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه ، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك ، وصولة الملك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من يشاء الله منهم .

هذا وقد رأى معاوية وأصحابه - رضي الله عنهم - منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، بل وقتاله ومناجزته الحرب وهم في ذلك مخطئون بالإجماع ، واستمروا في ذلك الخطأ حتى ماتوا ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحدٍ منهم إجماعاً ، بل ولا تفسيق بل وأثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين كما ذلك مشهور عند أهل السنة .

ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحّت ديانته وشهر صلاحه ، وعلم ورعه ووزهده وحسنت سيرته ، وبلغ من نصحه للأمة بذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها ، وإن كان مخطئاً في هذه المسألة أو غيرها كابن حجر الهيتمي ، فإنا نعرف كلامه في (الدر المنظم) ولا ننكر سعة علمه ، ولهذا نعتني بكتبه كـ(شرح الأربعين) و (الزواجر) وغيرهما ، ونعتمد على نقله لأنه من جملة علماء المسلمين) [69].

قلت : وأما أئمة المدرسة السلفية في اليمن منذ ابن الوزير إلى وقتنا الحاضر ، فإنهم مع شدة لومهم وانتقادهم لمن خالف الكتاب والسنة في جميع الأبواب ، ومع تقريرهم أن بعض الأقوال والأعمال كفر أو شرك أكبر ؛ فإنهم لم يكفّروا المعينين حسب علمي من جميع تلك الفرق والمذاهب التي انتقدوها .

 

خاتمة : التكفير المطلق من العلم العام وتكفير المعين من العلم الخاص :

لقد تطرقت أثناء البحث للفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين وإنما الكلام هنا عمن يتصدى لذلك وفي أي طبقات الناس يكون .

فأصل التكفير المطلق بما كفر به الله ورسوله ينبغي نشره وتعليمه للناس حتى يعلموه ويحذروا من الوقوع في تلك المكفرات , وهذا منهج القرآن والسنة فقد حذر القرآن من أعمال واعتقادات كثيرة , ووصف العاملين بها والمعتقدين لها بأنهم هم الكافرون أو المشركون ونهى عن أعمال لا يكون العامل بها من المشركين أو الكافرين . وكذلك الرسول e قد ثبتت عنه أحاديث كثيرة بأن من عمل كذا أو قال كذا فقد كفر بالله ورسوله أو بأنه برئ منه أو بأنه ليس من المسلمين فلا ضير ولا خطأ في إطلاق ما أطلقه الله ورسوله e حتى في الخطب والمواعظ العامة وهذه هي نصوص الوعيد التي قال عنها السلف: إنها تمر كما جاءت حتى لا يقل ويضعف وقعها على السامعين , والعلم بهذه المسائل هو من العلم بالكتاب والسنة الذي لا يكون سرا أو خاصا بطبقة دون طبقة .

وأما الحكم على من عمل شيئا من تلك المكفرات بأنه كافر فإنه لا يتكلم فيه ويحكم به إلا أولو الرسوخ في العلم عند وجود مقتضى ذلك ؛ بل إن إصدار الأحكام بذلك هو ألصق بالقضاة منه بالمفتين , ولم نجد الأحكام على الأفراد بالتكفير وتسميتهم في القران الكريم ولا في السنة مع وجود المنافقين الذين وقعوا في النفاق الأكبر المكفر .فهل سماهم النبي e وحكم عليهم بالكفر مع علمه بهم ؟ أم أنه أعرض عنهم ووكل أمرهم إلى الله عز وجل وزجر من تحدث عن شخص معين ووسمه بالنفاق لظهور القرائن عليه كما في حديث عتبان بن مالك؟.

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبدا لرحمن آل الشيخ رحمه الله في إحدى رسائله إلى بعض الغلاة في هذا الباب : ( وقد بلغنا عنكم نحو من هذا وخضتم في مسائل من هذا الباب كالكلام في الموالاة والمعاداة والمصالحة والمكاتبات وبذل الأموال والهدايا ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب ) [70]وهذه الرسالة كأنما تتحدث عن واقعنا الذي انبرى للحديث فيه عن هذه القضايا الأطفال , وصغار الطلاب الذين لا يفتون في أدنى المسائل والمتعالمون من الجهال , ولعل الجامع بين عصر الشيخ وهذا العصر هو حلول الفتنة التي يترتب عليها انتشار القيل والقال , والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] - وإن كان ليس بالضرورة أن يكونوا قد فعلوا - جميعهم أو بعضهم - الكفر .

- [2]لسان العرب ج5 / ص 147.

- [3]القاموس ص 606.

[4] - تاج العروس ج 3 /ص 527.

[5]- الأبي في إكمال الإكمال 1/ 178 ومثله تماما عند ابن حجر المكي في الأعلام بقواطع الإسلام ( 180 ) كلا النقلين بواسطة التعريفات الاعتقادية لسعد بن محمد آل عبدا للطيف ص17وانظر أقوالا أخرى في ذلك في نفس المرجع

 

[6] - (شرح حديث النزول :171 ).

[7] - (منهاج السنة 5/ 92- 93).

[8] - صحيح البخاري:( 4/ 1555) كتاب المغازي, باب بعث النبي e أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة رقم: (4021 ).وصحيح مسلم (1/97) كتاب الإيمان رقم :(96).

[9] - صحيح البخاري:(5 / 2247) كتاب الأدب , باب ما ينهى من السباب واللعن , رقم: ( 5698 ). وصحيح مسلم (1/79) كتاب الإيمان رقم: (61).

[10] - تفسير المنار : ( جـ5/ص349).

[11] - تفسير السعدي :( 158).

[12] - انظر السيل الجرار : (4/578 ) وما بعدها .

 

[13] - مجموع الفتاوى 3/229-231.

- [14] الأصول الثلاثة : ص 5 .

[15] - نواقض الإسلام (ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب:م الرسائل الشخصية (الرسالة الثانية والثلاثون ص ).

[16] - مجموع الفتاوى: (12/466).

[17] - مجموع الفتاوى(20/90).

[18] - شرح النووي على صحيح مسلم :1/205.

[19] - مجموع الفتاوى: (11/405), وانظر :( 7/609-610) , و (20/90). .

[20] - رواه الترمذي في سننه (5/14) رقم :(2622 )،وصححه الألباني في صحيح الترغيب (565 ).

[21] - مجموع الفتاوى:(20/97).

[22]- والصواب أن المقصود بترك الصلاة الذي هو مخرج من الملة هو تركها بالكلية , فمن ترك الصلاة بالكلية فهو كافر فيما عند الله , وأما في الدنيا فلا يحكم عليه بالكفر حتى يدعيه الحاكم للصلاة ويهدده بالقتل فإذا أصر بعد ذلك على الترك قتل كافرا . يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:(من كان مصراً على تركها لا يصلي قط،ويموت على الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلما لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة أخرى ،فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها وهؤلاء تحت الوعيد وهم الذي جاء الحديث فيهم الذي في السنن حديث عبادة عن النبي e :( خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد) مجموع الفتاوى(22/49). وهذا مارجحه ابن عثيمين في الشرح الممتع (1/327).وأما حكمه في الدنيا فلا يحكم عليه بالكفر حتى يستتيبه الحاكم فإن تاب وإلا قتل كافرا, فإذا لم يقم الحاكم بذلك فإنه يعامل معاملة المسلمين الظاهرة،كما قرره شيخ الإسلام حيث قال رحمه الله تعالى :( فأما إذا لم يدع ولم يمتنع فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدين في شيء من الأشياء ولهذا لم يعلم أن أحدا من تاركي الصلاة ترك غسله والصلاة عليه ودفنه مع المسلمين ولا منع ورثته ميراثه ولا إهدار دمه بسبب ذلك مع كثرة تاركي الصلاة في كل عصر والأمة لا تجتمع على ضلالة وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب ) شرح العمدة (1/92).وانظر مجموع الفتاوى(7/617).وفي حال التذكير والتخويف يبقى النص كما هو على إطلاقه (فمن تركها فقد كفر).ويؤكد على أنه لا يقبل عمل لمن ترك الصلاة .

[23] - الحديث رواه البخاري (1/56) رقم :21 , ومسلم (1/82) رقم :66.

[24] - الشرح والإبانة:( ص 292 ) لابن بطة.

[25] - صحيح البخاري مع الفتح : ج1/ ص84

[26] - مجموع الفتاوى(20/90).

[27] - شرح الطحاوية (ص432-434) لابن أبي العز , تحقيق :التركي وشعيب الأرنؤوط.

[28] - كتاب الصلاة وحكم تاركها لا بن القيم ( ص36 ).

[29] - أعلام السنة المنشورة (ص:181– 182) للشيخ حافظ الحكمي , دراسة وتحقيق: أحمد بن علي علوش مدخلي .

[30] - شرح العمدة:(1/52 ).

3- الصارم المسلول:( 3/521).

[32] - صحيح البخاري (1/164) رقم (415)في كتاب الصلاة (4) المساجد في البيوت.

[33] - مجموع الفتاوى: 7/507-508).

[34] - مجموع الفتاوى:12/489.

[35] - كتاب الاستغاثة (1/381-385 ).

[36] - مجموع الفتاوى :( 7/ 619).

[37] - تفسير ابن كثير(3/29).

[38] - صحيح مسلم(1/134) كتاب الإيمان رقم (153).

[39] - شرح مسلم :(2/188).

3- سنن ابن ماجة: 1/595 برقم 1853, وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 1/312 برقم 1503.

[41] - صحيح البخاري مع الفتح 9/202 برقم 5147. كتاب النكاح باب ضرب الدف في النكاح والوليمة.

[42] - مجموع الفتاوى (3/29).

[43] - مجموع الفتاوى: (12/500- 50).

[44] - تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل (ج5/ص1307 – 1308).

[45] - مجموع الفتاوى (12/487- 488).

[46] - صحيح ابن ماجة:( 1/747).

[47] - المغنى : 12/266 لابن قدامة. ـ عن الرحيلي في التكفير وضوابطه (264) . كما نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر(122) والنووي في الروضة 1728. كله بواسطة الرحيلي .

[48] - صحيح مسلم : 1/121ـ 122).

[49] - مسند الإمام أحمد (4/24) رقم : (16344).

[50] - السلسلة الصحيحة : (3/418) رقم : (1434).

[51] - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية : (4/515) (هامش : 2).

[52] - التكفير وضوابطه (287- 288) للشيخ الرحيلي.

[53] - الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه (229-230). للشيخ عبد الرزاق بن طاهر معاش.

[54] - ضوابط التكفير ( ص232). للشيخ عبدالله بن محمد القرني.

[55] - صحيح مسلم (4/ 1672)كتاب التوبة،الحض على التوبة والفرح بها.رقم (2747).

[56] - إكمال المعلم (8/245).للقاضي عياض . والتكفير وضوابطه: ص256 للرحيلي.

[57] - معالم التنزيل: (5/46).

[58] - انظر ضوابط التكفير ( ص276 ) وما بعدها.

[59] - نواقض الإيمان القولية والعملية (75) ، وانظر الجهل بمسائل الاعتقاد ص 328 .

 

[60] - المسائل الأصولية أو العلمية هي مسائل الاعتقاد ، والمسائل الفرعية أو العملية هي مسائل الأحكام ، وابن تيمية رحمه الله لا ينكر أصل التقسيم ، وإنما ينكر التفريق في الحكم بين من أخطأت أحد القسمين .

[61] - مجموع الفتاوى (19/ 207) .

[62] -معالم السنن :(4 / 277) .

[63] - منهاج السنة : (5/ 239-240) .

[64] - التكفير وضوابطه: ص 293 عن العواصم والقواصم .

[65] - الإرشاد ص 207 بواسطة التكفير وضوابطه ص 294 .

[66] - وقد تقدم كلامه كاملاً ، وهو في الاستغاثة : (1/ 383 - 385 .

[67] - الاستغاثة :(2/619).

[68] - الاستغاثة (ج 1 ص 89 - 90) .

[69] - الهدية السنية جمع وترتيب الشيخ سلمان بن سحمان (34 - 35) بواسطة الجهل بمسائل الاعتقاد ص 436 - 437 .

 

[70] - الدرر السنية (1/468).

 

صفحات مميزة



آخر الأخبار



معرض الصور